تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ، فَإِذَا الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَقَالَ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } ( 1 ) ، ثُمَّ يَتَوَارَى عَنْهُمْ ، وَتَبْقَى رَحْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ » . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( 2 ) . وَلَا يَتِمُّ إِنْكَارُ الْفَوْقِيَّةِ إِلَّا بِإِنْكَارِ الرُّؤْيَةِ . ولهذا طرد الجهمية الشقين ، وَصَدَّقَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا ، وَأَقَرُّوا بِهِمَا ، وَصَارَ مَنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ وَنَفَى الْعُلُوَّ مُذَبْذَبًا بَيْنَ ذَلِكَ ، لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ! وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِنَ الْأَدِلَّةِ لَوْ بُسِطَتْ أَفْرَادُهَا لَبَلَغَتْ نَحْوَ أَلْفِ دَلِيلٍ ، فَعَلَى الْمُتَأَوِّلِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ! وَهَيْهَاتَ لَهُ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ! وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ كَثِيرٌ جِدًّا : فَمِنْهُ : مَا رَوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ في كتابه : الفاروق ، بسنده إلى مُطِيعٍ الْبَلْخِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا حَنِيفَةَ عَمَّنْ قَالَ : لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ : قَدْ كَفَرَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يقول : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } ( 3 ) وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ، قُلْتُ : فَإِنْ قَالَ : إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : لَا أَدْرِي آلْعَرْشُ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ ؟ قَالَ : هُوَ كَافِرٌ ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ ، فَمَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ . وَزَادَ غَيْرُهُ : لِأَنَّ اللَّهَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ ، وَهُوَ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى ، لَا مِنْ أَسْفَلَ . انْتَهَى . وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَقَدِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مُعْتَزِلَةٌ وَغَيْرُهُمْ ، مُخَالِفُونَ لَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ اعْتِقَادَاتِهِ . وَقَدْ يَنْتَسِبُ إِلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ مَنْ يُخَالِفُهُمْ فِي بَعْضِ اعتقاداتهم . وقصة أبي يوسف في استتابتة بشر الْمَرِيسِيِّ ، لَمَّا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَوْقَ الْعَرْشِ - مَشْهُورَةٌ ، رَوَاهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أبي حاتم وغيره .
هامش
( 1 ) سورة يس آية 58 . ( 2 ) سبق ذكره في ص : 261 من رواية ابن ماجة . ( 3 ) سورة طه آية 5 .