تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ ، وَالذِّكْرِ وَالذَّبْحِ ، وَكَمَا يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ وَالْمَدْفُونُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " وُجْهَةً " ، وَالِاسْتِقْبَالُ خِلَافُ الِاسْتِدْبَارِ ، فَالِاسْتِقْبَالُ بِالْوَجْهِ ، وَالِاسْتِدْبَارُ بِالدُّبُرِ ، فَأَمَّا مَا حَاذَاهُ الْإِنْسَانُ بِرَأْسِهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ جَنْبِهِ فَهَذَا لَا يُسَمَّى " قِبْلَةً " ، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ، فَلَوْ كَانَتِ السَّمَاءُ قِبْلَةَ الدُّعَاءِ لَكَانَ الْمَشْرُوعُ أَنْ يُوَجِّهَ الدَّاعِي وَجْهَهُ إِلَيْهَا ، وَهَذَا لَمْ يُشْرَعْ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي تُرْفَعُ الْيَدُ إِلَيْهِ لَا يُسَمَّى " قِبْلَةً " ، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ، وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الدُّعَاءِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ تُتَّبَعُ فِيهِ الشَّرَائِعُ ، وَلَمْ تَأْمُرِ الرُّسُلُ أَنَّ الدَّاعِيَ يَسْتَقْبِلُ السَّمَاءَ بِوَجْهِهِ ، بَلْ نَهَوْا عَنْ ذَلِكَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ [ التَّوَجُّهَ ] ( 1 ) بِالْقَلْبِ ، وَاللَّجْأُ وَالطَّلَبُ الَّذِي يَجِدُهُ الدَّاعِي مِنْ نَفْسِهِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ، يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ ، وَأَكْثَرُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُضْطَرُّ وَالْمُسْتَغِيثُ بِاللَّهِ ، كَمَا فُطِرَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ يَدْعُو اللَّهَ ، مَعَ أَنَّ أَمْرَ الْقِبْلَةِ مِمَّا يَقْبَلُ النَّسْخَ وَالتَّحْوِيلَ ، كَمَا تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ مِنَ الصَّخْرَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَأَمْرُ [ التَّوَجُّهِ ] ( 2 ) فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْجِهَةِ الْعُلْوِيَّةِ مَرْكُوزٌ فِي الْفِطَرِ ، وَالْمُسْتَقْبِلُ لِلْكَعْبَةِ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ هُنَاكَ ، بِخِلَافِ الدَّاعِي ، فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى رَبِّهِ وَخَالِقِهِ ، وَيَرْجُو الرَّحْمَةَ أَنْ تَنْزِلَ مِنْ عِنْدِهِ . وَأَمَّا النَّقْضُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ فَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ نَقْضٍ ، فَإِنَّ وَاضِعَ الْجَبْهَةِ إِنَّمَا قَصْدُهُ الْخُضُوعُ لِمَنْ فَوْقَهُ بِالذُّلِّ لَهُ ، لَا بِأَنْ يَمِيلَ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ تَحْتَهُ ! هَذَا لَا يخطر في قلب ساجد . ولكن يُحْكَى عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ أَنَّهُ سُمِعَ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَسْفَلِ ! ! تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَإِنَّ مَنْ أَفْضَى بِهِ النَّفْيُ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ حَرِيٌّ أَنَ يَتَزَنْدَقَ ، إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ ، وَبَعِيدٌ مِنْ مِثْلِهِ الصَّلَاحُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ( 3 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } ( 4 ) . فَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الِاهْتِدَاءَ مِنْ مَظَانِّهِ يُعَاقَبْ
هامش
( 1 ) في الأصل : ( التوحيد ) . ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن . ( 2 ) في الأصل : ( التوحيد ) . ولعل الصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن . ( 3 ) سورة الأنعام آية 110 . ( 4 ) سورة الصف آية 5 .