تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
يَرِدْ نَفْيُهَا وَلَا إِثْبَاتُهَا فَلَا تُطْلَقُ حَتَّى يُنْظَرَ فِي مَقْصُودِ قَائِلِهَا : فَإِنْ كَانَ مَعْنًى صَحِيحًا قُبِلَ ، لَكِنْ يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِأَلْفَاظِ النُّصُوصِ ، دُونَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ ، إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ ، مَعَ قَرَائِنَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ وَالْحَاجَةَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مَعَ مَنْ لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ مَعَهُ إِنْ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَرَادَ الرَّدَّ بِهَذَا الْكَلَامِ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ ، كَدَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ وَأَمْثَالِهِ الْقَائِلِينَ : إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ ، وَإِنَّهُ جُثَّةٌ وَأَعْضَاءٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ النَّفْيِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا حَقٌّ ، لَكِنْ حَدَثَ بَعْدَهُ مَنْ أَدْخَلَ فِي عُمُومِ نَفْيِهِ حَقًّا وَبَاطِلًا ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ . وَهُوَ : أَنَّ السَّلَفَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ لِلَّهِ حَدًّا ، وَأَنَّهُمْ لَا يَحُدُّونَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : كَانَ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو عَوَانَةَ - لَا يَحُدُّونَ وَلَا يُشَبِّهُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ ، يَرْوُونَ الْحَدِيثَ وَلَا يَقُولُونَ : كَيْفَ ؟ وَإِذَا سُئِلُوا قَالُوا بِالْأَثَرِ . وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ : وَقَدْ أَعْجَزَ خَلْقَهُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ . فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اللَّهَ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُحِيطَ أَحَدٌ بِحَدِّهِ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ خَلْقِهِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُمْ مُبَايِنٌ لَهُمْ . سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا ؟ قَالَ : بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ، قِيلَ : بِحَدٍّ ؟ قَالَ : بِحَدٍّ ، انْتَهَى . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَدَّ يُقَالُ عَلَى مَا يَنْفَصِلُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ حَالٍّ فِي خَلْقِهِ ، وَلَا قَائِمٍ بِهِمْ ، بَلْ هُوَ الْقَيُّومُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ ، الْمُقِيمُ لِمَا سِوَاهُ . فَالْحَدُّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُنَازَعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَصْلًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ نَفْيِهِ إِلَّا نَفْيُ وُجُودِ الرَّبِّ وَنَفْيُ حَقِيقَتِهِ . وَأَمَّا الْحَدُّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ ، وَهُوَ أَنْ يَحُدَّهُ الْعِبَادُ ، فَهَذَا مُنْتَفٍ بِلَا مُنَازَعَةٍ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ : سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ ، سَمِعْتُ أَبَا مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ ، سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 190 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء