وَأَمَّا لَفْظُ الْجِهَةِ ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مَعْدُومٌ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا مَوْجُودَ إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ ، فَإِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مَخْلُوقًا ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَحْصُرُهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ ، وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ ، فَلَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ . فَإِذَا قِيلَ : " إِنَّهُ فِي جِهَةٍ " بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ حَيْثُ انْتَهَتِ الْمَخْلُوقَاتُ فَهُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ ، عَالٍ عَلَيْهِ .
وَنُفَاةُ لَفْظِ الْجِهَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفْيَ الْعُلُوِّ ، يَذْكُرُونَ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ : أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْجِهَاتِ ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ فِي جِهَةٍ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْجِهَةِ ثُمَّ صَارَ فِيهَا . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَنَحْوُهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، سَوَاءٌ سُمِّيَ جِهَةً أَوْ لَمْ يُسَمَّ ، وَهَذَا حَقٌّ . وَلَكِنَّ الْجِهَةَ لَيْسَتْ أَمْرًا وُجُودِيًّا ، بَلْ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ ( 1 ) ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَاتِ لَا نِهَايَةَ لَهَا ، وَمَا لَا يُوجَدُ ( 2 ) فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ .
وَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( ( لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ ) ) هُوَ حَقٌّ ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ . وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، لِمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ : أَنَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ . فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ كَلَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ ) وَقَوْلُهُ ( 3 ) : ( مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ ) عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَحْوِيهِ شَيْءٌ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ ، كَمَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ، الْعَالِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ .
هامش
( 1 ) في المطبوعة « بل أمرًا اعتباريًّا » ، وهو لحن .
( 2 ) في المطبوعة « فيها » بدل « فيما » وهو خطأ ، يفسد به المعنى ويضطرب .
( 3 ) في المطبوعة « وبين قوله » . وزيادة بين لا معنى لها هنا .