شَيْءٍ » ، الْحَدِيثَ . وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْقُدْرَةُ ( 1 ) ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } ( 2 ) . لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِقُدْرَتِي مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَدِ ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقَالَ إِبْلِيسُ : وَأَنَا أَيْضًا خَلَقْتَنِي بِقُدْرَتِكَ ، فَلَا فَضْلَ لَهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ . فَإِبْلِيسُ - مَعَ كُفْرِهِ - كَانَ أَعْرَفَ بِرَبِّهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ . وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ( 3 ) . لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمْعَ الْأَيْدِي لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ ، لِيَتَنَاسَبَ الْجَمْعَانِ ، فَاللَّفْظَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ . وَلَمْ يَقُلْ : ( ( أَيْدِيَّ ) ) مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْمُفْرَدِ ، وَلَا ( ( يَدَيْنَا ) ) بِتَثْنِيَةِ الْيَدِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ . فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ : { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } ( 4 ) نَظِيرَ قَوْلِهِ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } ( 5 ) . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ : « حِجَابُهُ النُّورُ ، وَلَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ » .
وَلَكِنْ لَا يُقَالُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ إِنَّهَا أَعْضَاءٌ ، أَوْ جَوَارِحٌ ، أَوْ أَدَوَاتٌ ، أَوْ أَرْكَانٌ ، لِأَنَّ الرُّكْنَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، لَا يَتَجَزَّأُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالْأَعْضَاءُ فِيهَا مَعْنَى التَّفْرِيقِ وَالتَّعْضِيَةِ ( 6 ) ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } ( 7 ) . وَالْجَوَارِحُ فِيهَا مَعْنَى الِاكْتِسَابِ وَالِانْتِفَاعِ . وَكَذَلِكَ الْأَدَوَاتُ هِيَ الْآلَاتُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ . وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُنْتَفِيَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى . فَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ صَحِيحَةُ الْمَعَانِي ، سَالِمَةٌ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْفَاسِدَةِ ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْدَلَ عَنِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا ، لِئَلَّا يَثْبُتَ مَعْنًى فَاسِدٌ ، أَوْ يُنْفَى مَعْنًى صَحِيحٌ . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ عُرْضَةٌ لِلْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( بالقدرة ) والصواب ما أثبتناه ، كما في إحدى النسخ . ن .
( 2 ) سورة ص آية 75 .
( 3 ) سورة يس آية 71 .
( 4 ) سورة يس آية 71 .
( 5 ) سورة ص آية 75 .
( 6 ) « التعضية » : التقطيع ، وجعل الشيء أعضاء .
( 7 ) سورة الْحِجْرِ آية 91 .