{ وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } ( 1 )
وَأَمَّا قَوْلُ إِبْلِيسَ : { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } ( 2 ) ، إِنَّمَا ذُمَّ عَلَى احْتِجَاجِهِ بِالْقَدَرِ ، لَا عَلَى اعْتِرَافِهِ بِالْمُقَدَّرِ وَإِثْبَاتِهِ لَهُ . أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( 3 ) وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ :
مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ . . . وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ
وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، أَنَّهُ قَالَ : نَظَرْتُ فِي الْقَدَرِ فَتَحَيَّرْتُ ، ثُمَّ نَظَرْتُ فِيهِ فَتَحَيَّرْتُ ، وَوَجَدْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقَدَرِ أَكَفَّهُمْ عَنْهُ ، وَأَجْهَلَ النَّاسِ بِالْقَدَرِ أَنْطَقَهُمْ بِهِ .
قَوْلُهُ : ( يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي فَضْلًا . وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَخْذُلُ وَيَبْتَلِي عَدْلًا ) .
ش : هَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ فِعْلِ الْأَصْلَحِ لِلْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْهُدَى وَالضَّلَالِ . قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : الْهُدَى مِنَ اللَّهِ : بَيَانُ طَرِيقِ الصَّوَابِ ، وَالْإِضْلَالُ : تَسْمِيَةُ الْعَبْدِ ضَالًّا ، أَوْ حُكْمُهُ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالضَّلَالِ عِنْدَ خَلْقِ الْعَبْدِ الضَّلَالَ فِي نَفْسِهِ . وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ : أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ . وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ( 4 ) وَلَوْ كَانَ الْهُدَى بَيَانُ الطَّرِيقِ - لَمَا صَحَّ هَذَا النَّفْيُ عَنْ نَبِيِّهِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ الطَّرِيقَ لِمَنْ أَحَبَّ وَأَبْغَضَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } ( 5 ) { يُضِلُّ }
هامش
( 1 ) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ آيَة 120 .
( 2 ) سورة الحجر آية 39 .
( 3 ) سُورَةُ هُودٍ آيَة 34 .
( 4 ) سُورَةُ الْقَصَصِ آيَة 56 .
( 5 ) سُورَةُ السَّجْدَةِ آيَة 13 .