تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
الْعَامَّةَ دَافِعَةً لِلْأَمْرِ ، فَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَشِيئَةَ عَلَى جِهَةِ التَّوْحِيدِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا مُعَارِضِينَ بِهَا لِأَمْرِهِ ، دَافِعِينَ بِهَا لِشَرْعِهِ ، كَفِعْلِ الزَّنَادِقَةِ ، وَالْجُهَّالِ إِذَا أُمِرُوا أَوْ نُهُوا احْتَجُّوا بِالْقَدَرِ . " وَقَدِ احْتَجَّ سَارِقٌ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقَدَرِ ، فَقَالَ : وَأَنَا أَقْطَعُ يَدَكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ " . يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ : { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ( 1 ) فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّكْذِيبُ ، فَهُوَ مِنْ قَبْلِ الْفِعْلِ ، مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْهُ ؟ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ؟ ! فَإِنْ قِيلَ : فَمَا يَقُولُونَ فِي احْتِجَاجِ آدَمَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِالْقَدَرِ ، إِذْ قَالَ لَهُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ عَامًا ؟ وَشَهِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ آدَمَ حَجَّ مُوسَى ، أَيْ : غَلَبَ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ ؟ قِيلَ : نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، لِصِحَّتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَتَلَقَّاهُ بِالرَّدِّ وَالتَّكْذِيبِ لِرَاوِيهِ ، كَمَا فَعَلَتِ الْقَدَرِيَّةُ ، وَلَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَارِدَةِ . بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِرَبِّهِ وَذَنْبِهِ ، بَلْ آحَادُ بَنِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ ، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ . وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَعْلَمَ بِأَبِيهِ وَبِذَنْبِهِ مِنْ أَنْ يَلُومَ آدَمَ عَلَى ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اللَّوْمُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْ أَوْلَادَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَاحْتَجَّ آدَمُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ ، لَا عَلَى الْخَطِيئَةِ ، فَإِنَّ الْقَدَرَ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ ، لَا عِنْدَ الْمَعَائِبِ . وَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ . فَمَا قُدِّرَ مِنَ الْمَصَائِبِ يَجِبُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرِّضَى بِاللَّهِ رَبًّا ، وَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُذْنِبَ ، وَإِذَا أَذْنَبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ . فَيَتُوبَ مِنَ الْمَعَائِبِ ، وَيَصْبِرَ عَلَى الْمَصَائِبِ . قَالَ تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } ( 2 ) وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا }
هامش
( 1 ) سورة يُونُس آية 39 . ( 2 ) سورة غافر آية 55 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 105 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء