تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
النَّهَارِ وَخَرَجَ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَكَثَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ بِاللَّيْلِ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : يُجْزِئُهُ ، سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ أَوْ مَنَعْنَاهُ ، لِحُصُولِ التَّوَاصُلِ . قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ : لَا يُجْزِئُهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِيَوْمٍ مُتَوَاصِلِ السَّاعَاتِ ، وَاللَّيْلَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْيَوْمِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ . وَلَوْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ هَذَا الْوَقْتِ ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دُخُولُ الْمُعْتَكَفِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِاللَّيْلِ لِيَتَحَقَّقَ التَّتَابُعُ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْمُلْتَزَمَ يَوْمٌ وَلَيْسَتِ اللَّيْلَةُ مِنْهُ ، فَلَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ . وَالْقِيَاسُ : أَنْ يَجْعَلَ فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، الْقَطْعَ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ لَا غَيْرَ . ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ السَّاعَاتِ : أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَاعَاتُ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَكَفَ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ ، جَازَ . ثُمَّ قَالَ : إِنْ فَرَّقَ عَلَى سَاعَاتِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ فِي سِنِينَ ، فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ . وَإِنِ اعْتَكَفَ فِي أَيَّامٍ مُتَبَايِنَةٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ اعْتِكَافُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِالْجُزْئِيَّةِ إِلَيْهِ ، إِنْ كَانَ ثُلُثًا ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ، نَظَرًا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاعْتِكَافُ . وَلِهَذَا ، لَوِ اعْتَكَفَ مِنْ يَوْمٍ طَوِيلٍ بِقَدْرِ سَاعَاتِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ ، لَمْ يَكْفِهِ ، وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَشْفِي . أَمَّا إِذَا عَيَّنَ الْمُدَّةَ الْمَنْذُورَةَ ، بِأَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْآنِ ، أَوْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ ، أَوْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَوْ هَذَا الشَّهْرِ ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ . فَلَوْ أَفْسَدَ آخِرَهُ بِخُرُوجٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِئْنَافُ . وَلَوْ فَاتَهُ الْجَمِيعُ ، لَمْ يَجِبِ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ . هَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّتَابُعِ ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ : أَعْتَكِفُ هَذِهِ الْعَشَرَةَ مُتَتَابِعَةً ، فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ لِفَسَادِ آخِرِهِ ، أَوِ التَّتَابُعُ فِي قَضَائِهِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : يَجِبَانِ ، لِتَصْرِيحِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَقَعُ ضَرُورَةً ، فَلَا أَثَرَ لِتَصْرِيحِهِ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 400 | النووي / زهير الشاويش