تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وذلك أنه رأى الخبر تضمّن ذكر الأيّم والبكر ، ووجد البكر معطوفاً على الأيّم ؛ وكان ظاهر الخطاب وحقيقة اللغة يقتضي تغايرَ المعطوف والمعطوف عليه . ومن الظاهر عند أهل اللسان أن الشيء لا يُعطَف على نفسه ؛ هذا هو الأصل المطّرد ، فإن وُجد في الكلام ما يخرج عنه ، وأُصيب ما يخالف هذه القضية فزائل عن الظاهر تابع لدليله ؛ كما يوجد عموم يُخَصّ ، وأمر يحمل على النّدْب ، وخبرٌ يراد به الأمر ؛ فلا يُترك له موضوعات الأصول ولا يُعترض به على حقائق اللغة . وكما لا يُعطف بالشيء على نفسه ؛ فكذلك لا يُعطف به على جملة هو بعضُها ؛ لأنه يكون معطوفاً به على نفسه وعلى شيء آخر معه . ولو قال قائل من أهل اللغة ، موثوق بسداده : جاءني عمرو وأكرمني أبو زيد ؛ لوجب أن يكون أحدُهما غير الآخر في مقتضى الظاهر ؛ وكذلك لو قال : وجدت عبد الله عاقلاً وأبا محمد فاضلاً لكان المعقول منهما تغايرهما ، وإن أمكن أن يكون المسمى هو المكنى . فلما تقرّر عنده الأصل ، ووجد الأدلة تقوده إليه فصَل بين المعطوف والمعطوف عليه ، فجعل الأيّم غير البِكْر ؛ وليس غير الأبكار إلا الثُيَّب . وليس يعترض هذا قولُ من يزعم أنه إقرار بالعدول عن الظاهر ، ومفارقة الحقيقة ، فقد سلم للمخالف ورفعت المنازعة في هذه الدلالة ؛ لأنا نقول : إن في الخبر ظاهرين متقابلين ؛ أحدهما حقيقة الأيّم وهو انطلاقُها على كل خالية من حُرمة النكاح ، والثاني ظاهر العطف ووجوب تميّز المعطوف عليه ، فلما تقابل هذان الظاهران ، ولم يكن من رفْض أحدهما بدّ اتّبع المتعارف ، واستسلم لعادة الخطاب ؛ وعادة الاستعمال في اللغات مقدمة على حقائقها ، وهي أولى بالظاهر من أصولها . وأما أنا فأرى ظاهرَ الترتيب من ظاهر الألفاظ المنفردة ، وإن كان من أصحابنا من يخالفني فيه .
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 80 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني