تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
وجُذَيلُها المُحكّك ؛ فصغر وهو يريد التعظيم . وقال آخر : يا سَلمُ أسقاك البُريقُ الوامِضُ . . . والدِيَم الغادية الفضافِض أما تصغير اللفظ على تكثير المعنى فغير منكر ؛ وهو كثير في كلام العرب ؛ لكن في احتجاج أبي الطيب خلل ؛ من قبل أن دُويْهية في هذا الموضع تصغير في المعنى واللفظ ، وكذلك جذيلها المحكك لأن هذا الجذل لا يكون إلا لطيف الجرم ؛ وإنما هو جذم من النخلة تحتكّ به الإبل ، وكما زاد تحكّك الإبل به زاد لطفاً وصِغَراً وضئولة . وإنما وجه القول في هذا أن من التصغير ما يكون جارياً على طريق الاستهانة والتحقير ، ومنه ما يراد به الصِّغر واللطافة ؛ فأنت إذ قلت : جاءَني رُجيل لم تُبالِ بصغَر جسمه ، وتفاوت خلْقه ، وقِصَر قامته ، إذا أردت تحقيرَ شأنه والإهوان به ، ومتى أردت الإخبار عن ضئولته . ودمامة خلْقه لم تعرّج على حاله ، ولم تفكر في محله . وقد تقول ذلك للملك على هذا الوجه ، وتقول للرجل العادي على الوجه الأول ، وقد تفعل ذلك وأنت تريد ذمّه ؛ وإن كان قويّ الخُلُق ، عظيم الشأن . وذكرُ لَبيد الدويْهية على لفظ التصغير من باب اللطافة دون النِّكاية ؛ وقول أبي الطيب لُييلتنا خارج مخرج الذم والهجو ، ثم قد أزال الالتباس وأفصح عن المراد بقوله : المنوطة بالتناد ، إذ قد بين أنه لم يرد قِصَر مدتها . ولا قرب انقضائها . فأما قول أبي الطيب : إني لم أرد بالتّناد القيامة ، وإنما أردت مصدر تَنادَى القوم ، وعنيت أنها منوطة بما أهم منه فهو أعْلم بقصده ، وأعرب بنيته ؛ غير أن نسْق الكلام يشهد عليه . ومن تأمله عرف أنه بأن يراد به القيامة أشبه ، ولا عيب فيه لو أراده ؛ إنما هو ضرب من الإفراط قد استعمله الشعراء . قال بشار : أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَه . . . أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرَحُ ومثله كثير موجود .