تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
فأما ذكر أبي الطيب في هذا الكلام بَلْعمّ وعَلماء ، ونحو ذلك فبمعزل عن هذا الشأن ؛ لأنه سائغ في غير الشعر ، وجائز في كل الكلام ، وأكثر ما تقول العرب : عَلْماءِ بني فلان ، وله باب ولا حاجة بنا إلى ذكره ، بعد أن عرفناك أنه غير متصل بما تنازعه من ضرورات الشعر ، وكذلك الأبيات التي عددها في الحذف ، فقد قدمنا لك ميْل العرب إلى الاختصار ، وإيثارَها إلى الإيجاز ، وغلبة الحذف على كلامها ، وكثرته في خطابها . وقد حكى الأصمعي أن أخوَين من العرب مكثا متهاجرين زماناً ، وهما يحُلان ويرتحلان معاً فإذا أراد أحدُهما الرحيل ، قال : ألا تا ، فجيبه الآخر ألا فا ، وعلى هذا الطريق جروا في استعمال الترخيم ، وترك الخبر في كثير من الابتداءات في مواضع من الشروط ، وهذا لا يوجب التعدي إلى ما ترخص به أبو الطيب ، وسوّغه لنفسه واحتج به لشعره . فأما قوله : تبيضضي ، فجار على ما خبّرناك باحتمال الشعر له من إظهار التضعيف ، فأما التشديد الزائد فيه ، وفي مستقرنّ والطول ونحو ذلك ، فلأنها حروف الرويّ وخواتم القوافي ، ومنقطع الكلام ، فاحتملت ما لا يحتمله غيرها . ولو ساغ أن يُنصب ذلك علَماً ، ويجعل عبرة ، ويستمرّ على شريطة القياس لوجب أن لا ينكر على الشاعر إذا قال : رأيت حسناً ؛ فشدد النون ، أو ضربت محمداً فثقل الدال ؛ كما جاز لك في الطولّ ومستقرنّ ، ويجري ذلك في سائر الأسماء وجميع الحروف والأفعال ، وهذا أمر لا ينتهي إليه عاقل . وقد جاء عن العرب التشديد في أواخر الأسماء إذا وقفوا عليها ، وهذا ما يؤكد ما قلناه في تمييز القوافي عن غيرها ؛ من حيث كانت العرب تقف عليها ، وإن كانت مطلقة . فأما الألفاظ التي زعم أن الشعراء تفرّدوا بها فإنها موجودة عن أئمة اللغة ، وعمن ينتهي السّندُ إليهم ، ويُعتَمد في اللسان عليهم ؛ وإنما نتكلم بما تكلّموا به ، وواحد كالجميع ، والنّفَر كالقبيلة ، والقبيلة كالأمة ، فإذا سمعنا من العربي الفصيح