تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
بينهما وقفت به المَلامةُ بين تفريط المقصّر ، وإسراف المفرِط ؛ وقد جعل الله لكل شيء قدْراً ، وأقام بين كل حديث فصْلاً ؛ وليس يطالَب البَشر بما ليس في طبع البشر ، ولا يُلتَمس عند الآدميّ إلا ما كان من طبيعة ولدِ آدم ؛ وإذا كانت الخلقة مبنيةً على السهو وممزوجة بالنسيان ؛ فاستسقاط من عزّ حالُه حيْف ، والتحامُل على من وُجِّه إليه ظلم . وللفضل آثارٌ ظاهرة ، وللتقدم شواهدُ صادقة ، فمتى وجِدتْ تلك الآثار ، وشوهدت هذه الشواهد فصاحبُها فاضل متقدم ؛ فإن عُثِر له من بعدُ على زلّة ، ووحدت له بعَقِب الإحسان هفْوة انتُحِل له عذرٌ صادق ، أو رُخصة سائِغة ؛ فإن أعوز قيل : زلّة عالم ، وقلّ من خَلا منها ، وأيُّ الرجال المهذب ! ولولا هذه الحكومة لبطل التفضيل ، ولزال الجَرْح ولم يكن لقولنا فاضل معنى يوجد أبداً ، ولم نسِمْ به إذا أردنا حقيقة أحداً ، وأي عالم سمعت به ولم يزلّ ويغلط ! أو شاعر انتهى إليك ذكره لم يهْفُ ولم يسقط !

أغاليط الشعراء

ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدْح فيه ؛ إما في لفظه ونظمه ، أو ترتيبه وتقسيمه ، أو معناه ، أو إعرابه ؟ ولولا أن أهلَ الجاهلية جُدّوا بالتقدم ، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة ، والأعلام والحجة ، لوجدتَ كثيراً من أشعارهم معيبة مسترذَلة ، ومردودة منفية ، لكن هذا الظنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم ، ونفى الظِّنة عنهم ، فذهبت الخواطر في الذبّ عنهم كلّ مذهب ، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام ،
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 4 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي محمد البجاوي / علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني