تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 3

مساهمون:

ص٣
شاهداً لك إذا أنكرت ، وتقيم الاستسلام للحجة - إذا قامت - محتجاً عنك إذا خالَفْت ، فإنه لا حال أشدّ استعطافاً للقلوب المنحرفة ، وأكثر استمالةً للنفوس المشمئزة ، من توقّفك عند الشُبهة إذا عرَضت ، واسترسالِك للحجة إذا قهرت ، والحكمِ على نفسك إذا تحققت الدعوى عليها ، وتنبيه خصمك على مكامن حيَلك إذا ذهب عنها ؛ ومت عُرفْت بذلك صار قولُك برهاناً مسلَّماً ، ورأيك دليلاً قاطعاً ، واتهم خصمُك ما علمه وتيقنه ، وشكّ فيما حفظه وأتقنه ، وارتاب بشهوده وإن عدّلتهم المحبة ، وجَبُن عن إظهار حُججه وإن لم تكن فيها غميزة ، وتحامتك الخواطر فلم تقدم عليك إلا بعد الثقة ، وهابتك الألسُن فلم تعرض لك إلا في الفَرْط والنُدرة . وما زلتُ أرى أهل الأدب - منذ ألحقتني الرغبةُ بجملتهم ، ووصلَت العنايةُ بيني وبينهم - في أبي الطيب أحمد بنِ الحسين المتنبي فئتين : من مُطنب في تقريظه ، منقطع إليه بجملته ، منحطّ في هواه بلسانه وقلبه ، يلتقي مناقِبَه إذا ذُكِرت بالتعظيم ، ويُشيع محاسنه إذا حُكيت بالتفخيم ، ويُعجَب ويعيد ويكرر ، ويميل على من عابه بالزِّراية والتقصير ، ويتناول من ينقصُه بالاستحقار والتجهيل ؛ فإن عثَر على بيت مختلّ النظام ، أو نِبَه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نُصرة خطئه ، وتحسين زلَله ما يُزيله عن موقف المعتذر ، ويتجاوز به مقام المنتصر . وعائبٍ يروم إزالتَه عن رُتبته ، فلم يسلّم له فضله ، ويحاول حطّه عن منزلةٍ بوّأه إياها أدبُه ؛ فهو يجتهدُ في إخفاء فضائله ، وإظهار مَعايبه ، وتتبع سقطاتِه ، وإذاعة غَفلاته . وكلا الفريقين إما ظالمٌ له أو للأدب فيه ؛ وكما أن الانتصار جانبٌ من العدْل لا يسدّه الاعتذار ؛ فكذلك الاعتذار جانب هو أولى به من الانتصار ، ومَن لم يفرِّق