أن تستُرَها ؛ حتى عثَر بها مَن يعرف حقها ، واهتدى إليها مَنْ هو أولى بها ، فظهرت على لسانه في أحسن معرِض ، واكتست من فضله أزينَ ملبس ؛ فعادت بعد الخمول نابهة ، وبعد الذبول ناضرة ، وتمكنت من برِّ والدها فنوّهت بذكره ، وقدَرت على قضاء حقِّ صاحبها فرفعت من قَدْره ( وعَسى أن تكْرَهوا شيْئاً وهُوَ خيرٌ لكُم ) .
ولم تزَل العلومُ - أيّدك الله - لأهلها أنساباً تتناصرُ بها ، والآدابُ لأبنائها أرحاماً تتواصل عليها ، وأدنى الشِّرك في نسب جوار ، وأول حقوق الجار الامتعاضُ له ، والمحاماةُ دونه ، وما مَنْ حفظ دمه أن يُسفك ، بأولى ممّن رَعى حريمه أن يهتك ولا حرمةَ أولى بالعناية ، وأحقُّ بالحماية ، وأجدر أن يبذل الكريمُ دونها عِرضَه ، ويمتهن في إعزازها مالَه ونفسَه من حُرمة العلم الذي هو روْنَق وجْهه ، ووقاية قدْره ، ومَنار اسمه ، ومَطيّة ذِكره .
وبحَسَب عِظَم مزيته وعلوّ مرتبته يعظم حقّ التشارك فيه ، وكما تجب حياطتُه ، تجب حياطة المتّصل به وبسببه ، وما عقوق الوالد البَرّ ، وقطيعةُ الأخ المشفِق ، بأشنعَ ذِكراً ، ولا أقبح وسْماً من عقوق من ناسبَك إلى أكرم آبائك ، وشاركك في أفخر أنسابك ، وقاسمك في أزين أوصافك ، ومتَّى إليك بما هو حظّك من الشرف ، وذريعتُك إلى الفخر .
وكما ليس من شرْط صِلَة رحمك أن تحيف لها على الحق ، أو تميلَ في نصرها عن القصد ، فكذلك ليس من حُكم مراعاة الأدب أن تعدِل لأجله عن الإنصاف ، أو تخرج في بابه إلى الإسراف ، بل تتصرّف على حكم العدل كيف صرَفك ، وتقف على رسْمه كيف وقفَك ، فتنتَصِف تارة وتعتذر أخرى ، وتجعل الإقرار بالحق عليك
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 2
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٢