تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
وقوله : الطويل ووعدُكَ فِعْلٌ قبل وَعْدٍ لأنه . . . نَظِيرُ فَعَالِ الصَّادق القَوْلِ وَعْدُهُ كان كافور وعد أبا الطيب وحلف له ليبلغنه جميع ما في نفسه ، لمّا أنشده القصيدة المهموزة يهنئه بالدار ، وكان في نفس أبي الطيب الولاية ، والارتفاع عن درجة الشعر لكثرة فضله ، وعزة نفسه وانفه لمّا أسن وكبر عن قيامه قيام المنشد المستعطي تارة والمستعطف أخرى ، وكان لا يطمع بذلك من سيف الدولة ولا يخرجه عن كونه شاعرا . فهذا من بعض أسباب فراقه له ، ولم يفارقه من قلة عطاء ، لأن اقطاعه له كان كثيرا ؛ فهذا مقطعا قرية اسمها بصف ، مغلها ، كما ذكر ، عشرة آلاف دينار ، وهذا سوى الإطلاق والخلع التي كانت تصير إليه في كل عام ، فحمله البطر والكبر والأنفة من الشعر ، على أن فارقه وأوقع في نفسه إنه يصير إلى كافور ، وهو أسود خصي ، يتلهى به ويخدعه ليوليه بعض الولايات فيتقوى بها فربما غلبه على ما في يده ، أو أقام على طاعته فزاد ماله ، وارتفع شانه ، وعلت منزلته ، ورأى سيف الدولة إنه قد زاد عما كان عليه عنده ، وارتفع عما كان يسومه منه . فاقتضى كافورا بهذا البيت والأبيات التي بعده ، وسامه أن يجربه ببعض أعماله ، ويختبره ببعض أشغاله ، ليعلم موقعه من حسن التدبير وجودة السياسة ، فانعكس عليه قياسه ، وانتفض رأيه مما لقي من هوان كافور له بقيامه بين يديه ، وتوكيله عليه ، وقلة اهتمامه به وكثرة غفلته عنه ، أضعاف إكرام سيف الدولة له ، وقربه منه ! وهذه الأبيات ، بل القصيدة من جيد الشعر وحر الكلام .