فيقال له : فإن كان أخافها بمعنى أخاف أصحابها ، واستعمال ذلك كثير كقوله تعالى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ) وقوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ) وأشباه ذلك . فما المانع أن تُعطف ووجوها على أبديا من حيث اللفظ والمعنى ، ولا يحتاج إلى تقدير فعل غير الأول عاملا في المعطوف ، وذلك ظاهر لا خفاء فيه ؟
وقوله : الخفيف
أقسَمُوا لا رأوكَ إلا بقَلْبٍ . . . طَالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
قال : قوله : إلا بقلب أي : إلا والقلب معهم ؛ يريد : حلفوا ليحضرن عقولهم ، وليعملن أفكارهم في ذلك .
قال : طالما غرت العيون الرجال ، أي : كذبهم عنك كثيرا ما رأوه بعيونهم مما يوهمهم أنهم يقاومونك .
وأقول : إن هذا المثل في قوله :
. . . . . . . . . طالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
لم يرد به سيف الدولة وحده والروم كما ذكره من كثرة ما غرتهم أعينهم مما يوهمهم مقاومته ، ولكن هذا مثل لكل أحد . يقول : هؤلاء الروم لحزمهم وجدهم وشدة بأسهم وأقدامهم ، اقسموا لا رأوك إلا بقلوبهم دون أعينهم ؛ فإن العيون قد تغر الرجال بأن تخطئ في إدراك المرئي بالزيادة والنقص في إدراك الصغير كبيرا ؛ كالجسم الذي تراه في قعر الماء الصافي ، وإدراك الكبير صغيرا كرؤية الكواكب والجبال على بعد .
المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي — صفحة 270
مساهمون: أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي
ص٢٧٠