تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة العرشية — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
بِذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَلَكَ مُسْتَدِيرٌ مِثْلُ ذَلِكَ ، لَكِنَّ لَفْظَ الْقُبَّةِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِنْ الْعُلُوِّ ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إلَّا بِدَلِيلِ مُنْفَصِلٍ . وَلَفْظُ الْفَلَكِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مُطْلَقًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ] ، وقَوْله تَعَالَى : { لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ يس : 40 ] ، يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي فَلَكٍ مُسْتَدِيرٍ مُطْلَقًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : فِي فَلْكَةٍ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ . وَأَمَّا لَفْظُ الْقُبَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْمَعْنَى ، لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مِنْ الْعُلُوِّ ، كَالْقُبَّةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَرْضِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْأَفْلَاكَ غَيْرُ السَّمَوَاتِ ، لَكِنْ رَدَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ ، بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } [ نوح : 15 ، 16 ] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الْفَلَكِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ الْكَلَامِ فِي هَذَا . وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ فِيهِ ، وَبَيَانُ أَنَّ مَا عُلِمَ بِالْحِسَابِ عِلْمًا صَحِيحًا لَا يُنَافِي مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ ، وَأَنَّ الْعُلُومَ السَّمْعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا تُنَافِي مَعْقُولًا صَحِيحًا ، إذْ قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ مِمَّا قَدْ أُشْكِلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ ، حَيْثُ يَرَوْنَ مَا يُقَالُ : إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ، مُخَالِفًا لِمَا يُقَالُ : إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالسَّمْعِ ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ كَذَّبَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِعِلْمِهِ ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنْ تَكَلَّمُوا فِي مُعَارَضَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِي [ الْأَفْلَاكِ ] بِكَلَامِ لَيْسَ مَعَهُمْ بِهِ حُجَّةٌ ، لَا مِنْ شَرْعٍ وَلَا مِنْ عَقْلٍ ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ نَصْرِ
الرسالة العرشية — صفحة 12 | ابن تيمية