فيقول : ولا فضل في الدنيا للشجاعة والكرم والصبر والجلد ، لولا تباين الناس في التوطين على لقاء الموت ، وإنما فضل الشجاع الجبان بإقدامه على الموت ، وفضل الكريم البخيل بقلة رغبته في المال ، الذي هو متاع الحياة ، وفضل الصابر الجازع بتجلده للمكاره التي تقود إلى التلف ، فبالإقدام على الموت يستبين الفضل ، وبالجزع منه يستحق الذم .
وأَوْفَى حَيَاةِ الغَابِرين لصاحب . . . حَيَاةُ امرئٍ خَانْتَهُ بَعْدَ مَشِيبِ
ثم قال ، مزهداً في الحياة : وأوفى حياة الباقين الذين طالت أعمارهم ، حياة من لحق سن المشيب ، وأدرك زمان الكبير ، ثم غايته بعد ذلك لقاء الحتف الذي كرهه ،
وحلول الموت الذي حذره ، هذه سبيل من متع بحياته ، وأسعد بتراخي مدته ، والتفاضل في ذلك عند تأمله ، قليل لا يجزع لفوته ، وقريب لا يفرح بمثله .
لأَبْقَى يَمَاكُ في حَشَايَ صَبَابَةً . . . إلى كُلَّ تُرْكيَّ النَّجارِ جَلِبيبُ
النجار : الأصل ، والجليب : المجلوب من أرض إلى أخرى .
فيقول : ( لأبقى يماك ) ؛ هذا التركي الهالك في حشاي ، لشدة إعجابي به ، وقوة أسفي عليه ، صبابة إلى كل تركي يشاركه في أصله ، ويماثله في جلبه .
شرح معاني شعر المتنبي ( السفر الأول ) — صفحة 7
مساهمون: ابراهيم بن محمد الإِفلِيلي
ص٧