تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
أعم من القياس هو : أن يكون ( طرد القياس ) ( 1 ) يُؤَدِّي إِلَى غُلُوٍّ فِي الْحُكْمِ وَمُبَالَغَةٍ فِيهِ ، فَيُعْدَلَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ . وَهَذِهِ تَعْرِيفَاتٌ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ . وَإِذَا كَانَ هذا معناه ( عند ) ( 2 ) مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ يُقَيِّدُ بَعْضُهَا وَيُخَصِّصُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَمَا فِي الْأَدِلَّةِ / السُّنِّيَّةِ / مَعَ الْقُرْآنِيَّةِ ، وَلَا يَرُدُّ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا أَصْلًا ، فَلَا حُجَّةَ فِي تَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا لِمُبْتَدَعٍ عَلَى حَالٍ . وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِأَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ بِحَوْلِ اللَّهِ ، وَنَقْتَصِرُ عَلَى عَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُعْدَلَ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } ( 3 ) فَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ / مَا ( يُتَمَوَّلُ ) ( 4 ) بِهِ ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ فِي الشَّرْعِ بِالْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ خاصة ، فلو قال قائل : مالي صَدَقَةٌ . فَظَاهِرُ لَفْظِهِ يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ ، وَلَكِنَّا نَحْمِلُهُ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ ، لِكَوْنِهِ ثَبَتَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَكَأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعَادَةِ فَهْمِ خِطَابِ الْقُرْآنِ . وَهَذَا الْمِثَالُ أَوْرَدَهُ الْكَرْخِيُّ تَمْثِيلًا لِمَا قاله في / الاستحسان . والثاني : أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ : سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ نَجِسٌ ، قِيَاسًا عَلَى سِبَاعِ الْبَهَائِمِ . وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَثَرِ ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ اسْتِحْسَانًا ، لِأَنَّ السَّبْعَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ ، وَلَكِنْ لِضَرُورَةِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ ، فَثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ ( لمجاورة ) ( 5 ) رُطُوبَاتِ لُعَابِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَارَقَهُ الطَّيْرُ ، لِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِمِنْقَارِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ بِنَفْسِهِ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ ، لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ قَوِيٌّ وإن خفي ، فترجح على
هامش
( 1 ) في ( ط ) : " طرحا لقياس " . ( 2 ) في ( ط ) : " عن " . ( 3 ) سورة التوبة : الآية ( 103 ) . ( 4 ) في ( م ) : " يتعول " . ( 5 ) في ( ط ) : " بمجاورة " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 49 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي