فَهِيَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فأحكامها قد تقدمت ، ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل ( تستند ) ( 1 ) خاصة ، وإما غَيْرَ ( مُحْتَاجٍ ) ( 2 ) إِلَيْهَا ، فَهِيَ الْبِدَعُ الْمُحْدَثَاتُ ، إِذْ لَوْ كَانَتْ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ ، لَكِنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا بِالْفَرْضِ وَلَا دَلِيلَ / عَلَيْهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَلَيْسَتْ بِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ( قَدْ كَمُلَ الدِّينُ ) ( 3 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قَطُّ إِيرَادُ ذَلِكَ السُّؤَالِ ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ : لِمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ ؟ وَعَلَى حُكْمِ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عليَّ حَرَامٌ ؟ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ عَنِ الشَّارِعِ نَصًّا ، بَلْ قَالُوا فِيهَا وَحَكَمُوا بالاجتهاد / واعتبروا ( فيها ) ( 4 ) بِمَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ فِي التَّحْصِيلِ إِلَى الْكِتَابِ / والسنة ، وإن لم يكن ( ذلك ) ( 5 ) بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ بِالْمَعْنَى ، فَقَدْ ظَهَرَ إِذًا / وَجْهُ كمال الدين على أتم الوجوه .
( ثم ننتقل ) ( 6 ) مِنْهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرءاً عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّضَادِّ ، لِيَحْصُلَ فِيهِ كَمَالُ التَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا * } ( 7 ) ، فَدَلَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، فَهُوَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَيُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى .
فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه ( متوازرة ) ( 8 ) / مُطَّرِدَةٌ ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّكَ تَرَاهُ إِلَى الِاخْتِلَافِ مَا هُوَ ، فَيَأْتِي بِالْفَصْلِ مِنَ الْكَلَامِ الجزل
هامش
( 1 ) في سائر النسخ ما عدا ( غ ) و ( ر ) : يستند .
( 2 ) في ( م ) : " مستند " .
( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " كررة الجملة " .
( 4 ) زيادة من ( غ ) و ( ر ) .
( 5 ) ساقط من ( غ ) و ( ر ) .
( 6 ) في ( م ) : " ننتقل " . وفي ( ط ) و ( خ ) و ( ت ) : " وننتقل " .
( 7 ) سورة النساء : الآية ( 82 ) .
( 8 ) في ( ط ) : " متواترة " .