وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا : إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ ، أَعْيَتْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا ، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَعُوهَا ، وَاسْتَحْيَوْا حِينَ سُئِلُوا أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ فَعَارَضُوا السُّنَنَ بِرَأْيِهِمْ ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : أَهْلُ الرَّأْيِ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ . وَهُوَ الْقَائِلُ فِي قَصِيدَتِهِ فِي السُّنَّةِ :
وَدَعْ عَنْكَ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ . . . فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ أَزْكَى وَأَشْرَحُ
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَشَعَّبَتْ بِهِمُ السُّبُلُ ، وَحَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ ، فَتَرَكُوا الْآثَارَ وَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا .
وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : مَنْ رَغِبَ بِرَأْيِهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ يَضِلُّ . وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : السُّنَنَ السُّنَنَ ، إِنَّ السُّنَنَ قِوَامُ الدِّينِ ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمْ مُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ ، فَأَخَذُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا .
فَهَذِهِ الْآثَارُ وَأَشْبَاهُهَا تُشِيرُ إِلَى ذَمِّ إِيثَارِ نَظَرِ الْعَقْلِ عَلَى آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْيِ الْمَذْمُومِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْبِدَعُ الْمُحْدَثَةُ فِي الِاعْتِقَادِ . كَرَأْيِ جَهْمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ . لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَعْمَلُوا قِيَاسَهُمْ وَآرَاءَهُمْ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ . فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ أَنْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 848
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٤٨