أَوَجَدَهُمْ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ . مِنْ قَائِلٍ بِالِاثْنَيْنِ وَبِالْخَمْسَةِ ، وَبِالطَّبِيعَةِ أَوِ الدَّهْرِ ، أَوْ بِالْكَوَاكِبِ ، إِلَى أَنْ قَالُوا بِالْآدَمِيِّينَ وَالشَّجَرِ وَالْحِجَارَةِ وَمَا يَنْحِتُونَ بِأَيْدِيهِمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْحَقِّ لَكِنْ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَيْضًا . إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ مُبَيِّنِينَ لِأُمَمِهِمْ حَقَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَاطِلِهِ ، فَعَرَفُوا بِالْحَقِّ عَلَى مَا يَنْبَغِي ، وَنَزَّهُوا رَبَّ الْأَرْبَابِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ نِسْبَةِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ ، وَإِضَافَةِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ مَنْ أَقَرَّ بِهِ ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 119 ] وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ ، فَصَارَ إِلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [ هود : 119 ] وَإِنَّمَا دَخَلَ الْأَوَّلُونَ تَحْتَ وَصْفِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ وَصْفِ الِاخْتِلَافِ إِلَى وَصْفِ الْوِفَاقِ وَالْأُلْفَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ .
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [ هود : 119 ] خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا . وَهُوَ مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَطَاوُسَ فِي جَامِعِهِ ، وَبَقِيَ الْآخَرُونَ عَلَى وَصْفِ الِاخْتِلَافِ ، إِذْ خَالَفُوا الْحَقَّ الصَّرِيحَ ، وَنَبَذُوا الدِّينَ الصَّحِيحَ .
وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا قَالَ : الَّذِينَ رَحِمَهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا . وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ } [ البقرة : 213 ]
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 672
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٧٢