تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 670

مساهمون:

ص٦٧٠
الِاخْتِلَافُ كَقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا } [ آل عمران : 105 ] . لِلِاخْتِلَافِ سَبَبَانِ : كَسْبِيٌّ ، وَغَيْرُ كَسْبِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا سَبَبُهُ ؟ وَلَهُ سَبَبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : لَا كَسْبَ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَهُوَ الرَّاجِعُ إِلَى سَابِقِ الْقَدَرِ ، وَالْآخَرُ هُوَ الْكَسْبِيُّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ السَّبَبَ الْأَوَّلَ مُقَدِّمَةً ، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنًى أَصِيلًا يَجِبُ التَّثَبُّتُ لَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّفَقُّهَ فِي الْبِدَعِ . فَنَقُولُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [ هود : 118 ] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ أَبَدًا ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُتَّفِقِينَ لَكَانَ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا لَكِنْ سَبَقَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ أَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِلِاخْتِلَافِ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْآيَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [ هود : 119 ] مَعْنَاهُ : وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي السَّعِيرِ . وَنَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ فَالضَّمِيرُ فِي خَلَقَهُمْ عَائِدٌ عَلَى النَّاسِ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا الِاخْتِلَافُ فِي الصُّوَرِ كَالْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 670 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي