أَتَى فِيهِ بِأَصْلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء : 59 ] الْآيَةَ ، فَكُلُّ اخْتِلَافٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى اللَّهِ ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَى كِتَابِهِ ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ حَيًّا وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - .
إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَلْ هُمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } [ هود : 118 ] أَمْ لَا ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ مُقْتَضَاهَا أَهْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْ أَوْجُهٍ .
أَحَدُهَا : أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِينَ مُبَايِنُونَ لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 ] فَإِنَّهَا اقْتَضَتْ قِسْمَيْنِ : أَهْلُ الِاخْتِلَافِ ، وَالْمَرْحُومِينَ ، فَظَاهِرُ التَّقْسِيمِ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ وَإِلَّا كَانَ قَسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ فِيهَا : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } [ هود : 118 ] فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ وَصْفَ الِاخْتِلَافِ لَازِمٌ لَهُمْ ، حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُشْعِرِ بِالثُّبُوتِ ، وَأَهْلُ الرَّحْمَةِ مُبَرَّءُونَ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ وَصْفَ الرَّحْمَةِ يُنَافِي الثُّبُوتَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ ، بَلْ إِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِيهَا تَحَرِّيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِيهَا ، حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَتَلَافَى
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 675
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٧٥