« دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » وَقَوْلُهُ : « الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ » كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا اعْتَبَرْنَا بِاصْطِلَاحِنَا مَا تَحَقَّقْتَ مَنَاطَهُ فِي الْحِلِّيَّةِ أَوِ الْحُرْمَةِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ بَيِّنٌ .
وَمَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ تَحْقِيقُهُ فَاتْرُكْهُ وَإِيَّاكَ وَالتَّلَبُّسَ بِهِ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - إِنْ صَحَّ - : « اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ » فَإِنَّ تَحْقِيقَكَ لِمَنَاطِ مَسْأَلَتِكَ أَخَصُّ بِكَ مِنْ تَحْقِيقِ غَيْرِكَ لَهُ إِذَا كَانَ مِثْلَكَ .
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ الْمَنَاطُ وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى غَيْرِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا عَرَضَ لَكَ .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : « وَإِنْ أَفْتَوْكَ » أَيْ إِنْ نَقَلُوا إِلَيْكَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فَاتْرُكْهُ وَانْظُرْ مَا يُفْتِيكَ بِهِ قَلْبُكَ ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ ، وَتَقَوُّلٌ عَلَى التَّشْرِيعِ الْحَقِّ . وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ .
نَعَمْ قَدْ لَا يَكُونُ لَكَ دُرْبَةٌ أَوْ أُنْسٌ لَكَ فَيُحَقِّقُهُ لَكَ غَيْرُكَ ، وَتَقَلِّدُهُ فِيهِ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى تَعْرِيفِ الشَّارِعِ ، كَحَدِّ الْغِنَى الْمُوجِبِ لِلزَّكَاةِ ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَحَقَّقَهُ الشَّارِعُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ هُنَا فِيمَا وُكِلَ تَحْقِيقُهُ إِلَى الْمُكَلَّفِ .
فَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِاقْتِنَاصِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَوْ مَيْلِ الْقَلْبِ كَمَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ الْمُسْتَشْكِلُ ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ بَالِغٌ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنَعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 668
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٦٨