بِهَا الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْحَظْوَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ ، بَلْ لِيَقْتُلُوا بِهَا إِنْ شَاؤُوا أَوْ يُمْرِضُوا أَوْ يَتَصَرَّفُوا وَفْقَ أَغْرَاضِهِمْ .
فَهَذِهِ كُلُّهَا بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ ، بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ ؛ لِبُعْدِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ مُبَرَّأَةً عَنْ مَقَاصِدِ الْمُتَخَرِّصِينَ ، مُطَهَّرَةً لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا عَنْ أَوَضَارِ اتِّبَاعِ الْهَوَى ، إِذْ كُلُّ مُتَدَيِّنٍ بِهَا عَارِفٌ بِمَقَاصِدِهَا يُنَزِّهُهَا عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْوَاهِيَةِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بُطْلَانِ دَعَاوِيهِمْ فِيهَا مِنْ بَابِ شُغْلِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَا هُوَ أَوْلَى ، وَقَدْ تَقَرَّرَ - بِحَوْلِ اللَّهِ - فِي أَصْلِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ هَذَا النَّمَطِ وَالْبُرْهَانِ عَلَى بُطْلَانِهِ ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ مُفِيدٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ فَرَضْنَا أَصْلَ الْعِبَادَةِ مَشْرُوعًا ، فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ ؛ فَهِيَ بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ ؛ كَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ [ الَّتِي ] يَزْعُمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلْمِ الْحُرُوفِ ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَنَى بِهِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ حَذَا حَذْوَهُ أَوْ قَارَبَهُ . فَإِنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ فَلْسَفَةٌ أَلْطَفُ مِنْ فَلْسَفَةِ مُعَلِّمِهِمُ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَرِسْطَا طَالِيسَ ، فَرَدُّوهَا إِلَى أَوْضَاعِ الْحُرُوفَ ، وَجَعَلُوهَا هِيَ الْحَاكِمَةَ فِي الْعَالَمِ ، وَرُبَّمَا أَشَارُوا عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَذْكَارِ وَمَا قُصِدَ بِهَا إِلَى تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْمُلَائِمَةِ لِطَبَائِعِ الْكَوَاكِبِ ؛ لِيَحْصُلَ التَّأْثِيرُ عِنْدَهُمْ وَحْيًا .
فَحَكَّمُوا الْعُقُولَ وَالطَّبَائِعَ - كَمَا تَرَى - ، وَتَوَجَّهُوا شَطْرَهَا ، وَأَعْرَضُوا عَنْ رَبِّ الْعَقْلِ وَالطَّبَائِعِ ، وَإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَهُ اعْتِقَادًا فِي اسْتِدْلَالِهِمْ لِصِحَّةِ مَا انْتَحَلُوا عَلَى وُقُوعِ الْأَمْرِ وَفْقَ مَا يَقْصِدُونَ ، فَإِذَا تَوَجَّهُوا بِالذِّكْرِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 496
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٩٦