وَأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ إِلَّا الْأَذَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ ، فَصَارَ إِذًا نَقْلُ هِشَامٍ الْأَذَانَ الْمَشْرُوعَ فِي الْمَنَارِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِدْعَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَشْرُوعِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَذَلِكَ أَذَانُ الزَّوْرَاءِ مُحْدَثٌ أَيْضًا ، بَلْ هُوَ مُحْدَثٌ مِنْ أَصْلِهِ ، غَيْرُ مَنْقُولٍ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَالَّذِي يُقَالُ هُنَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَذَانِ هِشَامٍ ، بَلْ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ أَذَانَ الزَّوْرَاءِ وُضِعَ هُنَالِكَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِعْلَامِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَجَعَلَهُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُسْمَعَ إِذَا وُضِعَ بِالْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ مَنْ قَبْلَهُ ، فَصَارَتْ كَائِنَةً أُخْرَى لَمْ تَكُنْ فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَاجْتَهَدَ لَهَا كَسَائِرِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ، وَحِينَ كَانَ مَقْصُودَ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ ؛ فَهُوَ بَاقٍ كَمَا كَانَ ، فَلَيْسَ وَضْعُهُ هُنَالِكَ بِمُنَافٍ ، إِذْ لَمْ تُخْتَرَعْ فِيهِ أَقَاوِيلُ مُحْدَثَةٌ ، وَلَا ثَبْتَ أَنَّ الْأَذَانَ بِالْمَنَارِ أَوْ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، فَهُوَ الْمُلَائِمُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُنَاسِبِ ؛ بِخِلَافِ نَقْلِهِ مِنَ الْمَنَارِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ بِذَلِكَ أَوَّلًا عَنْ أَصْلِهِ مِنَ الْإِعْلَامِ ، إِذْ لَمْ يُشْرَعْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ إِعْلَامٌ بِالصَّلَاةِ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ ، وَأَذَانُ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَحَلِّهِ ، ثُمَّ أَذَانُهُمْ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ زِيَادَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَاضِحٌ ، وَلَا اعْتِرَاضَ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي الْعِيدَيْنِ ؛ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنْ لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ فِيهِمَا ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَاتِ وَالنَّوَافِلِ ، وَإِنَّمَا الْأَذَانُ لِلْمَكْتُوبَاتِ ، وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ الْخُلَفَاءِ : أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فِي
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 493
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٩٣