فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ إِنَّمَا كَانَ دُعَاءً لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقُولُ فِيهِ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ، اللَّهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
وَإِنَّمَا حَمَلَ النَّاسُ الْحَدِيثَ عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مِنَ السُّجُودِ وَغَيْرِهِ ، لَا فِيمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمُتَأَوِّلُ ، وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ ؛ أَجَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ الْمَأْمُومِينَ ، ذَكَرَهُ فِي " النَّوَادِرِ " .
وَلَمَّا اعْتَرَضَهُ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ وَكَلَامُ السَّلَفِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ أَخَذَ يَتَأَوَّلُ وَيُوَجِّهُ كَلَامَهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِ الْمُرْتَبِكَةِ ، وَوَقَعَ لَهُ فِي [ ذَلِكَ ] كَلَامٌ عَلَى غَيْرِ تَأَمُّلٍ لَا يَسْلَمُ ظَاهِرُهُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالتَّدَافُعِ لِوُضُوحِ أَمْرِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَقَلَهَا ، لَكِنْ تَرَكْتُ هُنَا اسْتِيفَاءَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِطُولِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ .
[ فَصْلٌ مِنَ الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَهُوَ بِدْعَةٌ أَمْ غَيْرُ بِدْعَةٍ ]
فَصْلٌ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ : أَهُوَ بِدْعَةٌ فَيُنْهَى عَنْهُ ؟ أَمْ غَيْرُ بِدْعَةٍ فَيُعْمَلُ بِهِ ؟ فَإِنَّا إِذَا اخْتَبَرْنَاهُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ وَجَدْنَاهُ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ الَّتِي قَدْ نُدِبْنَا إِلَى تَرْكِهَا ؛ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ ، وَالْمَحْظُورُ هُنَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْبِدْعَةِ ، فَإِذَا ؛ الْعَامِلُ بِهِ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ عَمِلَ بِسُنَّةٍ ، فَصَارَ مِنْ جِهَةِ هَذَا التَّرَدُّدِ غَيْرَ عَامِلٍ بِبِدْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ ، وَلَا يُقَالُ أَيْضًا : إِنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا جُمْلَةً .
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي الْمُشْتَبِهَاتِ إِنَّمَا هُوَ حِمَايَةٌ أَنْ يَقَعَ فِي
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 479
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٧٩