تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
أَبْنِيَّ لَيْتِي لَا أُحِبُّكُمْ . . . وَجَدَ الْإِلَهُ بِكُمْ كَمَا أَجِدْ وَهِيَ أَلْفَاظٌ يَفْتَقِرُ أَصْحَابُهَا إِلَى التَّعْلِيمِ ، وَكَانُوا أَقْرَبَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ تُعَامِلُ الْأَصْنَامَ مُعَامَلَةَ الرَّبِّ الْوَاحِدِ سُبْحَانَهُ وَلَا تُنَزِّهُهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ، فَلَمْ يُشْرِعْ لَهُمْ دُعَاءً بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي آثَارِ الصَّلَوَاتِ دَائِمًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَوْ يُعِينَهُمْ عَلَى التَّعَلُّمِ إِذَا صَلَّوْا مَعَهُ ، بَلْ عَلَّمَ فِي مَجَالِسِ التَّعْلِيمِ ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ إِثْرَ الصَّلَاةِ حِينَ بَدَا لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِذْ ذَاكَ إِلَى النَّظَرِ لِلْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ كَانَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِذَلِكَ . ( وَالرَّابِعُ ) : أَنَّ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ . وَهَذَا الِاجْتِمَاعُ ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ] ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ ، وَلَوْ كَانَ الِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ إِثْرَ الصَّلَاةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ؛ لَكَانَ أَوَّلَ سَابِقٍ إِلَيْهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا ، وَلَا أَحَدٌ بَعْدَهُ ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بِرٌّ وَلَا تَقْوَى . ( وَالْخَامِسُ ) : أَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، فَرُبَّمَا لَحَنَ ، فَيَكُونُ اللَّحْنُ سَبَبَ عَدَمِ الْإِجَابَةِ ، وَحُكِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ فِي ذَلِكَ حِكَايَةٌ شِعْرِيَّةٌ لَا فِقْهِيَّةٌ . وَهَذَا الِاجْتِمَاعُ إِلَى اللَّعِبِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْجَدِّ ، وَأَقْرَبُ مَا فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ لَا يُلْحِنَ ؛ كَمَا يَشْتَرِطُ الْإِخْلَاصَ ؛