تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
فَمُسَلَّمٌ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْعَادِيَّاتِ ، بَلْ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيمَا فِيهِ تَعْبُدٌ : إِنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : هَلْ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ أَمْ هُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؟ بَلْ هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْمَنْعِ ؛ لِأَنَّ التَّعَبُدِيَّاتِ إِنَّمَا وَضْعُهَا لِلشَّارِعِ ، فَلَا يُقَالُ فِي صَلَاةٍ سَادِسَةٍ - مَثَلًا - إِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ ، فَلِلْمُكَلَّفِ وَضْعُهَا - عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - لِيَتَعَبَّدَ بِهَا لِلَّهِ ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ ، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ مُبْتَدَعٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ عَلَى الشَّارِعِ . وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَادِيَّاتِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ؛ فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ ، وَتَرْكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ عَلَى تَوَالِي أَزْمِنَتِهِمْ ؛ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَصٌّ فِي التَّرْكِ ، وَإِجْمَاعٌ مِنْ كُلِّ مَنْ تَرَكَ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِجْمَاعِ كَنَصِّهِ ؛ كَمَا أَشَارَ مَالِكٌ فِي كَلَامِهِ . وَأَيْضًا ؛ فَمَا يُعَلِّلُ لَهُ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ : وَقَدْ أَتَى الرَّادُّ بِأَوْجَهٍ مِنْهُ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ الدُّعَاءَ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ لِيُظْهِرَ وَجْهَ التَّشْرِيعِ فِي الدُّعَاءِ وَأَنَّهُ بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ مَطْلُوبٌ : وَمَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سُنَّةً بِسَبَبِ الدَّوَامِ وَالْإِظْهَارِ فِي الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ اتِّفَاقًا مِنَّا وَمِنْهُ ، فَانْقَلَبَ إِذًا وَجْهُ التَّشْرِيعِ . وَأَيْضًا ؛ فَإِنَّ إِظْهَارَ التَّشْرِيعِ كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا أَوْلَى لِلْإِظْهَارِ ، وَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ دَلَّ عَلَى تَرْكٍ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي ، فَلَا يُمْكِنُ بَعْدَ زَمَانِهِ فِي تِلْكَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 472 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي