لِلْعَمَلِ بِهَا عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ ؛ فَهِيَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْأَسْبَابِ لِلشَّارِعِ لَا لِلْمُكَلَّفِ ، وَالشَّارِعُ لَمْ يَضَعِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - مَثَلًا - سَبَبًا لِأَنْ تُتَّخَذَ سُنَّةً ، فَوَضْعُ الْمُكَلَّفِ لَهَا كَذَلِكَ رَأْيٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى الشَّرْعِ ، فَكَانَ ابْتِدَاعًا .
وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا بِدْعَةً إِضَافِيَّةً ، أَمَّا إِذَا اسْتَقَرَّ السَّبَبُ ، وَظَهَرَ عَنْهُ مُسَبِّبُهُ الَّذِي هُوَ اعْتِقَادُ الْعَمَلِ سُنَّةً وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ ؛ فَذَلِكَ بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضَافِيَّةٌ .
وَلِهَذَا الْأَصْلِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ .
وَإِذَا ثَبَتَ فِي الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ أَنَّهَا قَدْ تُعَدُّ بِدَعًا بِالْإِضَافَةِ ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِالْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَجْتَمِعُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وَإِضَافِيَّةً مَعًا ، لَكِنْ مِنْ جِهَتَيْنِ ؟ !
فَإِذًا بِدْعَةُ " أُصْبِحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ ظَاهِرَةٌ ، ثُمَّ لَمَّا عَمِلَ بِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا لَا تُتْرَكُ كَمَا لَا تُتْرَكُ الْوَاجِبَاتُ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ كَانَ تَشْرِيعًا أَوَّلًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْوُجُوبَ أَوِ السُّنَّةَ ، وَهَذَا ابْتِدَاعٌ ثَانٍ إِضَافِيٌّ ، ثُمَّ إِذَا اعْتَقَدَ فِيهَا ثَانِيًا السُّنِّيَّةَ أَوِ الْفَرْضِيَّةَ ؛ صَارَتْ بِدْعَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
وَمِثْلُهُ يَلْزَمُ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ أُظْهِرَتْ وَالْتُزِمَتْ ، وَأَمَّا إِذَا خَفِيَتْ وَاخْتُصَّ بِهَا صَاحِبُهَا ؛ فَالْأَمْرُ عَلَيْهِ أَخَفُّ ، فَيَا لَلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ ! مَاذَا يَجْنِي الْمُبْتَدِعُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ فِي حِسَابِهِ ؟ وَقَانَا اللَّهُ شُرُورَ أَنْفُسِنَا بِفَضْلِهِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 451
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٥١