وَقَّاصٍ قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ رِجْلِي تَكَسَّرَتْ وَأَنِّي لَمْ أَفْعَلْ " .
وَسُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنِ الْآثَارِ الَّتِي تَرَكُوا بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : " أَثْبَتُ مَا فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قُبَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَكْرَهُ مَجِيئَهَا ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً " .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ : " كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى ابْنِ نَافِعٍ ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِحَدِيثِ التَّوْسِعَةِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ ؛ قَالَ لِي : حَرِّقْ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ : خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً " .
فَهَذِهِ أُمُورٌ جَائِزَةٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، وَلَكِنَّهُمْ كَرِهُوا فِعْلَهَا خَوْفًا مِنَ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا سُنَّةً إِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُوَاظِبَ النَّاسُ عَلَيْهَا مُظْهِرِينَ لَهَا ، وَهَذَا شَأْنُ السُّنَّةِ ، وَإِذَا جَرَتْ مَجْرَى السُّنَنِ ؛ صَارَتْ مِنَ الْبِدَعِ بِلَا شَكٍّ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ صَارَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْبِدَعِ الْإِضَافِيَّةِ وَالظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهَا بِدَعٌ حَقِيقِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ إِذَا عَمِلَ بِهَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَهِيَ حَقِيقِيَّةٌ ، إِذْ لَمْ يَضَعْهَا صَاحِبُ السُّنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَصَارَتْ مِثْلَ مَا إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَاعْتَقَدَهَا عِبَادَةً ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ ، هَذَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا بِمَآلِهَا ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا أَوَّلًا ؛ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ أَصْلًا ؟ ! .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ ؛ إِلَّا أَنَّ لِوَضْعِهَا أَوَّلًا نَظَرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ ، فَلَا كَلَامَ فِيهَا .
وَالثَّانِي : مِنْ حَيْثُ صَارَتْ كَالسَّبَبِ الْمَوْضُوعِ لِاعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ أَوْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 450
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٥٠