قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ : " وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، مِنْ إِقْرَاءِ كِتَابِ اللَّهِ ، وَالتَّحْدِيثِ بِالسُّنَّةِ ، أَحَبَّ النَّاسُ أَمْ كَرِهُوا ، وَتَرْكِ الْحَدَثِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَا يَتَأَوَّلُ شَيْئًا مِمَّا رَوَى ، تَتْمِيمًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْخَطَأِ .
عَلَى أَنَّ أَبَا الْعَرَبِ التَّمِيمِيِّ حَكَى عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ : " أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِنَّ بَلَدَنَا كَثِيرُ الْبِدَعِ ، وَإِنَّهُ أَلَّفَ كَلَامًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ يَقُولُ لَهُ : إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ ، خِفْتُ أَنْ تَزِلَّ فَتَهْلِكَ ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ ، لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ ، أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَطْغَوْا وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ ، انْتَهَى .
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي لِمِثْلِي بِالْإِحْجَامِ دُونَ الْإِقْدَامِ . وَشِيَاعُ هَذَا النُّكْرِ ، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ ; يَقْضِي لِمَنْ لَهُ بِهَذَا الْمَقَامِ مُنَّةٌ بِالْإِقْدَامِ دُونَ الْإِحْجَامِ ، لِأَنَّ الْبِدَعَ قَدْ عَمَّتْ وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ مِلْءَ أَعِنَّتِهَا .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 44
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٤