تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
لَمْ يُعَدِّ الْمُحَرِّمُ الْحُكْمَ لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّحْرِيمِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَى الْمُحَرِّمِ دُونَ غَيْرِهِ . وَأَمَّا التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي ؛ فَلَا حَرَجَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّ بَوَاعِثَ النُّفُوسِ عَلَى الشَّيْءِ أَوْ صَوَارِفَهَا عَنْهُ لَا تَنْضَبِطُ بِقَانُونٍ مَعْلُومٍ ، فَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْحَلَالِ لِأَمْرٍ يَجِدُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، كَكَثِيرٍ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْعَسَلِ لِوَجَعٍ يَعْتَرِيهِ بِهِ ، حَتَّى يُحَرِّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، لَا بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ الْأَوَّلِ ، وَلَا الثَّالِثِ ، بَلْ بِمَعْنَى التَّوَقِّي مِنْهُ ؛ كَمَا تُتَوَقَّى سَائِرُ الْمُؤْلِمَاتِ . وَيَدْخُلُ هَاهُنَا بِالْمَعْنَى امْتِنَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُنَاجِي الْمَلَائِكَةَ ، وَهِيَ تَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تُكْرَهُ رَائِحَتُهُ . وَلَعَلَّ هَذَا الْمَحَلَّ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الثُّومَ وَنَحْوَهُ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ بِالشَّارِعِ . وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى الْآيَةِ . وَأَمَّا التَّحْرِيمُ بِالْمَعْنَى [ الثَّالِثِ وَ ] الرَّابِعِ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي عِبَارَةِ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ( تَعَالَى ) : { لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } [ المائدة : 87 ] ، قَدْ شَمِلَ التَّحْرِيمَ بِالنَّذْرِ وَالتَّحْرِيمَ بِالْيَمِينِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ