وَتَفْسِيرَ مَالِكٍ لَهُ ، وَذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ : " وَيَتْرُكْ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ " لَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ مَعْصِيَةٌ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ نَذْرُ مَرْيَمَ .
قَالَ : " وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ لِلشَّمْسِ لَيْسَ مَعْصِيَةً ؛ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ جِهَةِ تَعَبِ الْجِسْمِ وَالنَّفْسِ ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ ، فَإِنْ قِيلَ : فِيهِ مَعْصِيَةٌ ؛ فَالْقِيَاسُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ التَّعَبِ لَا بِالنَّصِّ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ " .
وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ فِي الْحَدِيثِ مَا قَالَ اسْتِنْبَاطًا مِنْهُ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهَا ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا ، فَتَرْكُ الْكَلَامِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الشَّرَائِعِ الْأُولَى مَشْرُوعًا ؛ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، فَهُوَ عَمَلٌ فِي مَشْرُوعٍ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ فِي الشَّمْسِ زِيَادَةٌ مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، وَإِنِ اسْتُحِبَّ فِي مَوْضِعٍ ؛ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِحْبَابُهُ فِي آخَرَ .
[ فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُتَصَوُّرُ فِي أَوْجُهٍ ]
فَصْلٌ
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُتَصَوُّرُ فِي أَوْجُهٍ :
( الْأَوَّلُ ) : التَّحْرِيمُ الْحَقِيقِيُّ ، وَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْكُفَّارِ ؛ كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي ، وَجَمِيعِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَهُ عَنِ الْكَفَّارِ بِالرَّأْيِ الْمَحْضِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } [ النحل : 116 ] ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 424
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٢٤