تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ فِيهِ ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلَى نَفْسِ الْبَيْعِ ، بَلْ إِلَى أَمْرٍ يُجَاوِرُهُ ، وَبِذَلِكَ يُعَلِّلُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ قَالَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ ، لَا لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْهُ ، فَلَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ أَيْضًا ، وَلَا النَّهْيُ رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الْبَيْعِ . فَالْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ شَيْءٌ ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ يُوفِي بِهَا أَوْ لَا شَيْءٌ آخَرُ ، فَإِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَمْرٍو عَلَى مَا الْتَزَمَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا الْتَزَمَ ، وَنَهْيُهُ إِيَّاهُ ابْتِدَاءً لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّدَافُعُ ، وَهُوَ مُحَالٌ . إِلَّا أَنَّ هَاهُنَا نَظَرًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَالْمُرْشِدِ لِلْمُكَلَّفِ وَكَالْمُتَبَرِّعِ بِالنَّصِيحَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَظِنَّةِ الِاسْتِنْصَاحِ ، فَلَمَّا اتَّكَلَّ الْمُكَلَّفُ عَلَى اجْتِهَادِهِ دُونَ نَصِيحَةِ النَّاصِحِ الْأَعْرَفِ بِعَوَارِضِ النُّفُوسِ ؛ صَارَ كَالْمُتَّبِعِ لِرَأْيِهِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ ، فَإِنْ سُمِّيَ فِي اللَّفْظِ بِدْعَةً ؛ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَإِلَّا ؛ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلدَّلِيلِ الْمَنْصُوصِ مِنْ صَاحِبِ النَّصِيحَةِ ، وَهُوَ الدَّالُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ . وَمِنْ هُنَا قِيلَ فِيهَا : إِنَّهَا بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا إِضَافِيَّةً : أَنَّ الدَّلِيلَ فِيهَا مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الدَّوَامُ عَلَيْهَا ، وَرَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ وَفَّى بِشَرْطِهَا ، وَلِذَلِكَ وَفَّى بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بَعْدَمَا ضَعُفَ ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِيهَا بَعْضُ الْحَرَجِ حَتَّى تَمَنَّى قَبُولَ الرُّخْصَةِ ؛ بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهَا مَفْقُودٌ حَقِيقَةً ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا . فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ خَطَأِ الْمُجْتَهِدِ ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 413 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي