عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَجَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، فَلَا نُطِيلُ بِهِ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي ؛ فَالْأَدِلَّةُ تَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَكِنْ لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ الْعِتَابِ عَلَى التَّرْكِ - حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ فِي مَأْخَذِ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْقِيَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً - ؛ كَانَ ذَلِكَ بِصُورَةِ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلدَّوَامِ فِي الْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، فَأَمَرَهُمْ بِالدَّوَامِ حَتَّى لَا يَكُونُوا كَمَنْ عَاهَدَ ثُمَّ لَمْ يُوفِ بِعَهْدِهِ ، فَيَصِيرَ مُعَاتَبًا ، لَكِنَّ هَذَا الْقَسَمَ عَلَى وَجْهَيْنِ :
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَا يُطَاقُ ، أَوْ مِمَّا فِيهِ حَرَجٌ أَوْ مَشَقَّةٌ فَادِحَةٌ ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيعِ مَا هُوَ أَوْلَى ؛ فَهَذِهِ هِيَ الرَّهْبَانِيَّةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي ؛ فَلَيْسَ مِنِّي » ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدُّخُولِ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا حَرَجٌ ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الدَّوَامِ عَلَيْهِ تَلْحَقُ بِسَبَبِهِ الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ ، أَوْ تَضْيِيعُ مَا هُوَ آكَدُ ، فَهَاهُنَا أَيْضًا يَقَعُ النَّهْيُ ابْتِدَاءً ، وَعَلَيْهِ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ .
وَجَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ ، حَيْثُ قَالَ : " « فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ " ، " وَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ » .
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ اعْتُبِرَ فِي الْتِزَامِ مَا لَا يُلْزَمُ ابْتِدَاءً أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 385
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٨٥