يُوضَعْ سَبَبًا لِذَلِكَ ، كَمَا وُضِعَتْ صِلَةُ الرَّحِمِ سَبَبًا فِي الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ مَثَلًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ، بَلِ النَّذْرُ وَعَدَمُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ؛ بِشَرْعِيَّةِ الْوَفَاءِ بِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ } [ النحل : 91 ] ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ » ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .
وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَى كَرَاهَتِهِ .
وَإِمَّا عَلَى جِهَةِ الِالْتِزَامِ غَيْرِ النَّذْرِيِّ ؛ فَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْوَعْدِ ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مَطْلُوبٌ ، فَكَأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ أَيْضًا ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ، حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَتَوْا يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِقَوْلِهِمْ : أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . . إِلَخْ ؟ ! ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُ كَذَا . . . . إِلَخْ .
وَنَحْوُهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ » ، وَلَيْسَ بِمَعْنَى النَّذْرِ ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ؛ لَمْ يَقُلْ لَهُ : صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، صُمْ كَذَا ، وَلَقَالَ لَهُ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ » .
فَأَمَّا الِالْتِزَامُ بِالْمَعْنَى النَّذْرِيِّ ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ بِهِ وُجُوبًا لَا نَدْبًا ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 384
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٨٤