قَالُوا : فَهَذَا تَنَاقُضٌ !
وَكَذَبُوا ؛ لَيْسَ ثَمَّ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّعَارُضَ إِذَا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرَّأْيِ فِي الْمَقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ : فَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَصْلًا ، وَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ :
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ؛ فَهَذَا الْفَرْضُ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ ، أَوْ بَيْنَ ظَنِّيَّيْنِ ، فَأَمَّا بَيْنَ قَطْعِيَّيْنِ ؛ فَلَا يَقَعُ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ .
فَإِنْ وَقْعَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ ؛ بَطُلَ الظَّنِّيُّ .
وَإِنَّ وَقْعَ بَيْنَ ظَنِيَّيْنِ ؛ فَهَاهُنَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ التَّرْجِيحُ ، وَالْعَمَلُ بِالْأَرْجَحِ مُتَعَيَّنٌ .
، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ ؛ فَقَدِ اتَّفَقَ النُّظَّارُ عَلَى إِعْمَالِ وَجْهِ الْجَمْعِ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا ضَعِيفًا ، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى عِنْدَهُمْ ، وَإِعْمَالَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِ بَعْضِهَا .
فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ لَمْ يَرْفَعُوا بِهَذَا الْأَصْلِ رَأْسًا ؛ إِمَّا جَهْلًا بِهِ ، أَوْ عِنَادًا .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ فَقَوْلُهُ : « خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي » ، هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ ، فَلَا يَبْلُغُ أَحَدُنَا ( مَبْلَغَ ) الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَمَا سِوَاهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ عَلَى حَالٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : « فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ » ؛ لَا نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّفْضِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَزَاءٍ حَسَنٍ ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي كَوْنِهِمْ مِثْلَ جَزَاءِ الصَّحَابَةِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ مُحْتَمَلٌ ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ الْأَصْلَ وَلَا إِشْكَالَ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 315
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣١٥