وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا الْهَوَى أَوَّلًا ثُمَّ يَطْلُبُ لَهَا الْمَخْرَجَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَوْ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ أَبَدًا ؛ لِاتِّسَاعِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ ، لَكِنْ يَعْلَمُ الرَّاسِخُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ ؛ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَآخِرِهِ ، وَفَحْوَاهُ ، أَوْ بِسَاطِ حَالِهِ ، أَوْ قَرَائِنِهِ ، فَمَنْ لَا يَعْتَبِرُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَيَعْتِبَرُ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ ؛ زَلَّ فِي فَهْمِهِ ، وَهُوَ شَأْنُ مَنْ يَأْخُذُ الْأَدِلَّةَ مِنْ أَطْرَافِ الْعِبَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَنْظُرُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، فَيُوشِكُ أَنْ يَزِلَّ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الرَّاسِخِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ مَنِ اسْتَعْجَلَ ؛ طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ فِي دَعْوَاهُ .
فَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الزَّيْغَ لَا يَجْرِي عَلَى طَرِيقِ الرَّاسِخِ بِغَيْرِ حُكْمِ الِاتِّفَاقِ ، وَأَنَّ الرَّاسِخَ لَا زَيْغَ مَعَهُ بِالْقَصْدِ أَلْبَتَّةَ .
[ فَصْلٌ وُجُوهُ مُخَالِفَةِ طَرِيقِ الْحَقِّ ]
[ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ وَالْمَكْذُوبَةِ ]
فَصْلٌ
إِذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ رَجَعْنَا مِنْهُ إِلَى مَعْنَى آخَرَ ، فَنَقُولُ :
إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لِلرَّاسِخِينَ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهَا فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ ، وَأَنَّ الزَّائِغِينَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِهِمْ ، فَاحْتَجْنَا إِلَى بَيَانِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا هَؤُلَاءِ لِنَتَجَنَّبَها ، كَمَا نُبَيِّنُ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا الرَّاسِخُونَ لِنَسْلُكَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَهْلُ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَبَسَطُوا الْقَوْلَ فِيهِ ، وَلَمْ يَبْسُطُوا الْقَوْلَ فِي طَرِيقِ الزَّائِغِينَ ، فَهَلْ يُمْكِنُ حَصْرُ مَآخِذِهَا أَوْ لَا ؟
فَنَظَرْنَا فِي آيَةٍ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّاسِخِينَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ]
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 285
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٨٥