وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ شَمَلَتْ قِسْمَيْنِ هُمَا أَصْلُ الْمَشْيِ عَلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ الْخَطَأِ :
أَحَدُهُمَا : الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وَهُمُ الثَّابِتُو الْأَقْدَامِ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا إِلَّا عَلَى مَنْ حَصَّلَ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِمَا مَعًا عَلَى حَسَبِ مَا تُعْطِيهِ الْمِنَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ ، وَإِذْ ذَاكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ( أَنَّهُ رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ ) وَمُقْتَضَى الْآيَةُ مَدْحُهُ ، فَهُوَ إِذًا أَهْلٌ لِلْهِدَايَةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ .
وَحِينَ خَصَّ أَهْلَ الزَّيْغِ بِاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ ؛ دَلَّ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَتْبَعُونَهُ ، فَإِذًا ؛ لَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا الْمُحْكَمَ ، وَهُوَ أُمُّ الْكِتَابِ وَمُعْظَمُهُ .
فَكُلُّ دَلِيلٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ شَهِدَ لَهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ ؛ فَهُوَ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ ، وَمَا سِوَاهُ فَاسِدٌ ، إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَاسِطَةٌ فِي الْأَدِلَّةِ يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا ، وَإِذْ لَوْ كَانَ ثَمَّ ثَالِثٌ ، لَنَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ .
ثُمَّ لَمَّا خَصَّ الزَّائِغُونَ بِكَوْنِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ أَيْضًا ؛ عَلِمَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَتْبَعُونَهُ :
فَإِنْ تَأَوَّلُوهُ ؛ فَبِالرَّدِّ إِلَى الْمُحْكَمِ ؛ بِأَنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ ، فَهَذَا الْمُتَشَابِهُ الْإِضَافِيُّ لَا الْحَقِيقِيُّ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاسِخِينَ ، فَلْيَرْجِعْ عِنْدَهُمْ إِلَى الْمُحْكَمِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 282
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٨٢