الَّذِي هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ .
وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلُوهُ ؛ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ حَقِيقِيٌّ ، فَيُقَابِلُونَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَقَوْلِهِمْ : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } [ آل عمران : 7 ] ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي أَهْلِ الزَّيْغِ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ بِهِ أَهْوَاءَهُمْ ؛ لِحُصُولِ الْفِتْنَةِ ، فَلَيْسَ فِي نَظَرِهِمْ إِذًا فِي الدَّلِيلِ نَظَرُ الْمُسْتَبْصِرِ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَحْتَ حُكْمِهِ ، بَلْ نَظَرُ مَنْ حَكَمَ بِالْهَوَى ، ثُمَّ أَتَى بِالدَّلِيلِ كَالشَّاهِدِ لَهُ ، وَلَمْ يَذَكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّاسِخِينَ ، فَهُمْ إِذَنْ بِضِدِّ هَؤُلَاءِ ، حَيْثُ وَقَفُوا فِي الْمُتَشَابِهِ ، فَلَمْ يَحْكُمُوا فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ سِوَى التَّسْلِيمِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى خَاصٌّ بِمَنْ طَلَبَ الْحَقَّ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ طَلَبَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يُصَحِّحُ هَوَاهُ السَّابِقَ .
وَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَنْ لَيْسَ بِرَاسِخٍ فِي الْعِلْمِ ، وَهُوَ الزَّائِغُ ، فَحَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَصْفَانِ :
أَحَدُهُمَا : بِالنَّصِّ ، وَهُوَ الزَّيْغُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } [ آل عمران : 7 ] وَالزَّيْغُ : هُوَ الْمَيْلُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَهُوَ ذَمٌّ لَهُمْ .
وَالثَّانِي : بِالْمَعْنَى الَّذِي أَعْطَاهُ التَّقْسِيمُ ، وَهُوَ عَدَمُ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ ، وَكُلٌّ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الرُّسُوخُ ؛ فَإِلَى الْجَهْلِ مَا هُوَ ( مَائِلٌ ) ، وَمِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ حَصَلَ لَهُ الزَّيْغُ ؛ لِأَنَّ مِنْ نُفِيَ عَنْهُ طَرِيقُ الِاسْتِنْبَاطِ وَاتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ لِبَعْضِ الْجَهَالَاتِ ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْأَدِلَّةَ الْمُحْكَمَةَ وَلَا الْمُتَشَابِهَةَ .
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ يَتْبَعُ الْمُحْكَمَ ؛ لَمْ يَكُنْ اتِّبَاعُهُ مُفِيدًا لِحُكْمِهِ ؛ لِإِمْكَانِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 283
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٨٣