تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ ، وَأَنَّ لِلْبَاطِلِ طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً لَا وَاحِدَةً ، وَتَعَدُّدُهَا لَمْ يُحْصَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ . وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الْمُفَسِّرُ لِلْآيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : « خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًا ، فَقَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، وَقَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ » ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ . فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا خُطُوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ بِعَدَدٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إِلَى حَصْرِ عَدَدِهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَلَا لَنَا أَيْضًا سَبِيلٌ إِلَى حَصْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَوْ الِاسْتِقْرَاءِ . أَمَّا الْعَقْلُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِعَدَدٍ دُونَ آخَرٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَى أَمْرٍ مَحْصُورٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّيْغَ رَاجِعٌ إِلَى الْجَهَالَاتِ ؟ وَوُجُوهُ الْجَهْلِ لَا تَنْحَصِرُ ، فَصَارَ طَلَبُ حَصْرِهَا عَنَاءً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ . وَأَمَّا الِاسْتِقْرَاءُ ؛ فَغَيْرُ نَافِعٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَطْلَبِ ؛ لِأَنَّا لَمَّا نَظَرْنَا فِي طُرُقِ الْبِدَعِ مِنْ حِينِ نَبَتَتْ ؛ وَجَدْنَاهَا تَزْدَادُ عَلَى الْأَيَّامِ ، وَلَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَغَرِيبَةٌ مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِنْبَاطِ تَحْدُثُ ، إِلَى زَمَانِنَا هَذَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ بَعْدَ زَمَانِنَا اسْتِدْلَالَاتٌ أُخَرُ لَا عَهْدَ لَنَا بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَهْلِ ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ ، وَبُعْدِ النَّاظِرِينَ فِيهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا يُمْكِنُ إِذًا حَصْرُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَلَا يُقَالُ : إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مُخَالَفَةِ طَرِيقِ الْحَقِّ ؛ فَإِنَّ وُجُوهَ الْمُخَالَفَاتِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 286 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي