كَيْفَ صَارَتْ شَرِيعَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ ، وَصَارَ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ مَسُوقًا إِلَى النَّارِ عَلَى الْعُمُومِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْمُعَانِدِ صَرَاحًا وَغَيْرِهِ ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، بِمُجَرَّدِ بَعْثَتِهِ وَإِرْسَالِهِ لَهُمْ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ الَّذِي خَالَفُوهُ .
فَمَسْأَلَتُنَا شَبِيهَةٌ بِذَلِكَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِالْحَزْمِ ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ، وَمَنْ تَابَعَ الْهَوَى خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ .
[ فَصْلٌ لَفْظُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ ]
وَلْنَزِدْ هَذَا الْمَوْضِعَ شَيْئًا مِنَ الْبَيَانِ ; فَإِنَّهُ أَكِيدٌ ، لِأَنَّهُ تَحْقِيقُ مَنَاطِ الْكِتَابِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ :
إِنَّ لَفْظَ : " أَهْلِ الْأَهْوَاءِ " ، وَعِبَارَةَ : " أَهْلِ الْبِدَعِ " ; إِنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوهَا ، وَقَدَّمُوا فِيهَا شَرِيعَةَ الْهَوَى ; بِالِاسْتِنْبَاطِ ، وَالنَّصْرِ لَهَا ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحَّتِهَا فِي زَعْمِهِمْ ، حَتَّى عُدَّ خِلَافُهُمْ خِلَافًا ، وَشُبَهُهُمْ مَنْظُورًا فِيهَا ، وَمُحْتَاجًا إِلَى رَدِّهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا ; كَمَا نَقُولُ فِي أَلْقَابِ الْفِرَقِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ بِأَنَّهَا أَلْقَابٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ النِّحَلِ مَا بَيْنَ مُسْتَنْبِطٍ لَهَا وَنَاصِرٍ لَهَا وَذَابٍّ عَنْهَا ; كَلَفْظِ : " أَهْلِ السُّنَّةِ " ; إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى نَاصِرِيهَا ، وَعَلَى مَنِ اسْتَنْبَطَ عَلَى وَفْقِهَا ، وَالْحَامِينَ لِذِمَارِهَا .
وَيُرَشِّحُ ( ذَلِكَ ) أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : ) { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } [ الأنعام : 159 ] ; يُشْعِرُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 212
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢١٢