أَهْلُ هَذَا النَّوْعِ .
وَقَلَّمَا تَجِدُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ; إِلَّا وَهُوَ يُوَالِي فِيمَا ارْتَكَبَ وَيُعَادِي بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ .
خَرَّجَ الْبَغْوِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ الْكِنَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ ، وَأَخَذَ بِجَبْهَتِهِ ، فَنَبَتَتْ شَعْرَةٌ بِجَبْهَتِهِ كَأَنَّهَا هُلْبَةُ فَرَسٍ . قَالَ : فَشَبَّ الْغُلَامُ ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْخَوَارِجِ ; أَجَابَهُمْ ، فَسَقَطَتِ الشَّعْرَةُ عَنْ جَبْهَتِهِ ، فَأَخَذَهُ أَبُوهُ ، فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ ، مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ ، قَالَ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، فَوَعَظْنَا [ هُ ] وَقُلْنَا لَهُ : أَلَمْ تَرَ بَرَكَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَتْ ؟ قَالَ : فَلَمْ نَزَلْ بِهِ حَتَّى رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِمْ ، قَالَ : فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الشَّعْرَةَ فِي جَبْهَتِهِ إِذْ تَابَ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْتَصِبُونَ إِلَى هَذَا الْمُقَلِّدِ الْخَامِلِ بَيْنَ النَّاسِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ مَنْصِبَ الْمُسْتَحِقِّينَ ، فَفِي تَأْثِيمِهِ نَظَرٌ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : إِنَّهُ آثِمٌ .
وَنَظِيرُهُ مَسْأَلَةُ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ الْعَامِلِينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ ، وَاسْتِقَامَةً لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ عَصْرِهِمْ ، مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ فِي حُكْمِهِمْ : إِنَّهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ :
قِسْمٌ غَابَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَوَقَفَ عَنِ الْعَمَلِ بِكُلِّ مَا يَتَوَهَّمُهُ الْعَقْلُ أَنَّهُ يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ ، وَرَأَى مَا أَهْلُ عَصْرِهِ عَامِلُونَ بِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ مُسْتَنَدٌ إِلَّا اسْتِحْسَانُهُمْ ، فَلَمْ يَسْتَفِزَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْوُقُوفِ عَنْهُ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الدَّاخِلُونَ حَقِيقَةً تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 210
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢١٠