تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَامِّيِّ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ أَقْوَامًا قَالُوا : ) { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [ الزخرف : 23 ] ، فَكَأَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا إِلَى دَلِيلٍ جُمْلِيٍّ ، وَهُوَ الْآبَاءُ إِذْ كَانُوا عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَقْلِ ، وَقَدْ كَانُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ ، وَلَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ صَوَابٌ ، فَنَحْنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَطَأً ، لَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ . وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى صِحَّةِ الْبِدْعَةِ بِعَمَلِ الشُّيُوخِ وَمَنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالصَّلَاحِ ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ ، وَلَا كَوْنِهِ يَعْمَلُ بِعِلْمٍ أَوْ بِجَهْلٍ . وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ اسْتِدْلَالًا فِي الْجُمْلَةِ ; مِنْ حَيْثُ جُعِلَ عُمْدَةً فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى وَاطِّرَاحِ مَا سِوَاهُ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ ، فَهُوَ آخِذٌ بِالْبِدْعَةِ بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ ، وَدَخَلَ فِي مُسَمَّى أَهْلِ ( الِابْتِدَاعِ ) ، إِذْ كَانَ مِنْ حَقِّ مَنْ كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحَقِّ إِنْ جَاءَهُ ، وَيَبْحَثَ ، وَيَتَأَنَّى ، وَيَسْأَلَ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ لَهُ فَيَتَّبِعَهُ ، أَوِ الْبَاطِلُ فَيَجْتَنِبَهُ . وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُحْتَجِّينَ بِمَا تَقَدَّمَ : ) { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } [ الزخرف : 24 ] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ) { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } [ البقرة : 170 ] ، فَقَالَ تَعَالَى : ) { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } [ البقرة : 170 ] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ) { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } [ لقمان : 21 ] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ .