قَالَ : مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ ؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ ، فَقَالَ : خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ ، فَاحْبِسَاهُ ، فَحُبِسَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ ; فَوَجَّهَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ : أَمَا خِفْتَ اللَّهَ وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ؟ ! » فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي غَيْرِهِ " .
وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّوَقِّي وَالتَّحَفُّظِ فِي تَرْكِ إِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ ; خَوْفًا مِنْ تِلْكَ اللَّعْنَةِ ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سِوَى وَضْعِ الثَّوْبِ ؟ !
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الطَّحَاوِيِّ : " « سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ » " ، فَذَكَرَ فِيهِمْ التَّارِكَ لِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْذًا بِالْبِدْعَةِ .
[ الْمُبْتَدِعُ يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا ]
وَأَمَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا :
فَلِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ قَالَ : " صَاحِبُ الْبِدْعَةِ ; مَا يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ اجْتِهَادًا صِيَامًا وَصَلَاةً ، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا " .
وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ; قَالَ : " مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا ، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا " .
وَيُصَحِّحُ هَذَا النَّقْلَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْخَوَارِجِ : يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَحْقِرُونَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 155
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٥٥