تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وَلَمْ يَكُنْ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ; إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُهُمْ ، وَتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَلَفُوا ، وَهُوَ مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الْفَسَادَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَانْخَفَضَتِ الْأَدْيَانُ وَالدِّمَاءُ وَالْعَقْلُ وَالْأَنْسَابُ وَالْأَمْوَالُ ، مِنْ طُرُقٍ يَعْرِفُ مَآخِذَهَا الْعُلَمَاءُ ، وَذَلِكَ [ مِنَ ] الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَإِقْرَارًا ، وَلَمْ يُرَدُّوا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ ; لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِدَرْكِ مَصَالِحِهِمْ وَلَا تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ . فَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ ، وَأَخَذَ فِي اسْتِصْلَاحِ نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ ؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] بَعْدَ قَوْلِهِ : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] ، فَأَشْعُرُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا ، وَأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ ، لِقَوْلِهِ : { وَلَا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : 103 ] ، وَالْفُرْقَةُ مِنْ أَخَسِّ أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَبَايَنَ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ حَبْلَ اللَّهِ الْجَمَاعَةُ . وَعَنْ قَتَادَةَ : " حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ : هَذَا الْقُرْآنُ وَسُنَنُهُ ، وَعَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُعْتَصَمَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ ، وَالثِّقَةُ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ وَيَعْتَصِمُوا