مِنْهُمَا رَاجِعٌ إِلَيْهِمَا :
فَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ السُّنَّةِ ، فَمُعْظَمُ نَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ ، بَلْ قَدْ أَعْوَزَ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاتِرًا .
وَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ الْكِتَابِ ، فَإِنَّمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ ، فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ ; فَلَا بُدَّ لِمُطَّرِحِ نَقْلِ الْآحَادِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ رَأْيَهُ [ فِيهِ ] ، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِعَيْنِهِ ، فَيَكُونُ [ كُلُّ ] فَرْعٍ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ بِدْعَةً لَا سُنَّةً ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » .
وَكَمَا إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ عَمَلٍ ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْأَوْلِيَاءِ الْمُكَاشَفِينَ بِحَقَائِقِ التَّوْحِيدِ ، فَأَمَّا مَنْ رُفِعَ لَهُ الْحِجَابُ وَكُوشِفَ بِحَقِيقَةِ مَا هُنَالِكَ ، فَقَدِ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَصْلٍ هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا يَلِيقُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرُهُ .
أَمْثِلَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَارِقِينَ مِنْ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ جَاءَتْ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ ، يَأْتِيهِ أَمْرِي فِيمَا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ! مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ » ! حَدِيثٌ حَسَنٌ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 145
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٤٥