المشبِّهة ( 1 ) ، تكون دليلاً على هؤلاء ( 2 ) ؛ لأَنهم عَامَلُوهُ فِي التَّنْزِيهِ مُعَامَلَةَ الْمَخْلُوقِ ؛ حَيْثُ توهَّموا أَن اتِّصاف ذَاتِهِ بِالصِّفَاتِ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ فِي الذَّات ( 3 ) .
وأَما تَرْكُهُمْ لِمَعَانِي الْخِطَابِ ( 4 ) : فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ : " السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ، أو " السميع ( 5 ) الْعَلِيمُ " ، أَو " الْقَدِيرُ " - وَمَا أَشبه ذَلِكَ - إِلا مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ اتَّصف بِهَا ، فإِخراجها عَنْ ( 6 ) حَقَائِقِ مَعَانِيهَا الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا خُرُوجٌ عَنْ أُم الْكِتَابِ إِلى اتِّبَاعِ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ؛ حيث ( 7 ) رَدُّوا هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلى الأَحوال الَّتِي هِيَ الْعَالِمِيَّةُ وَالْقَادِرِيَّةُ ، فَمَا أَلزموه فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَازِمٌ لَهُمْ فِي الْعَالِمِيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ ؛ لأَنها إِما مَوْجُودَةٌ ، فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ ، أَو مَعْدُومَةٌ ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ .
وَأَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ هُوَ الأَصوات وَالْحُرُوفُ ، فبناءً على النظر في كلام النفس ( 8 ) ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الأُصول ( 9 ) .
وأَما الشُّبْهَةُ السَّمْعِيَّةُ : فكأَنها عِنْدَهُمْ بالتَّبَعِ ؛ لأَن الْعُقُولَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمُعْتَمِدَةُ ( 10 ) ، وَلَكِنَّهُمْ يُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ مِثْلُ مَا فرّوا منه ؛ لأَن قوله
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " على الشبهة " ، وفي ( خ ) : " على نفي الشبه " .
( 2 ) في ( خ ) و ( م ) : " دليلاً لهؤلاء " .
( 3 ) قوله : " في الذات " ليس في ( خ ) .
( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) و ( م ) : " وأما معاني الخطاب " .
( 5 ) في ( خ ) : " والسميع " .
( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " على " بدل " عن " .
( 7 ) في ( خ ) : " وحيث " .
( 8 ) في ( خ ) : " على عدم النظر في الكلام النفسي " .
( 9 ) مشى المؤلف رحمه الله هنا على طريقة الأشاعرة في القول بأن كلام الله عز وجل معنى نفسي لا تعدد فيه ، وليس بحرف ولا صوت . وذلك منهم فرار من إثبات الحرف والصوت في كلام الله عز وجل لما توهّموه في ذلك من التشبيه .
ومعتقد أهل السنة : أن كلام الله عز وجل قديم النوع حادث الآحاد ، وأنه يتكلم بصوت ، وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء .
انظر تفصيل ذلك في : " الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي " ، و " فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية " ( 5 / 463 ، 533 ، 553 ) ، ( 6 / 632 - 639 ) ، و " مختصر الصواعق " لابن القيم ( ص 500 ) .
( 10 ) في ( خ ) : " هي العمدة المعتمدة " .